بواسطة Badrkhan Ali | أبريل 5, 2018 | Cost of War, Reports, غير مصنف
(تحاول هذه الورقة تحليل العوامل السياسية والجيوسياسية التي أحاطت بمعركة عفرين والأهداف التركية وراء العملية والدور الروسي الكبير فيها، ورهانات القوى الكردية أثناء مواجهة الهجوم التركي انتهاءً بوقوع المنطقة تحت الاحتلال التركي المباشر. كما تقدم الورقة من خلال موضوعها مثالاً متجدداً عن تعقيدات الصراع السوري وحجم التداخل والتضارب بين الأطراف الداخلية والخارجية بما فيها الأطراف التي تبدو في جبهة واحدة، إذ تبدو متحالفةً تارةً ومتنافسةً تارةً أخرى. تستند هذه الورقة إلى متابعة الكاتب المفصّلة والحثيثة للحدث، وإن كانت من الخارج، ولا تزعم بالطبع صحة التقديرات الواردة مع صعوبة التحقق الميداني في ظروف الحرب)
عملية “غصن الزيتون”
تحت هذا المسمّى المناقض تماماً لدلالة غصن الزيتون في التراث والثقافة كرمز للسلام والأمان، شنّ الجيش التركي ومعه 25 ألفاً من مقاتلي المعارضة السورية المسلحة المدعومة من أنقرة حملةً عسكرية ضخمة ضد منطقة عفرين الكردية السورية شمال غرب حلب، في العشرين من شهر كانون الثاني 2018، في خرقٍ للقانون الدولي بالهجوم على أراضي دولة أخرى، دون تفويض من السلطات الرسمية، تحت مزاعم تهديد أمنها القومي من القوات الكردية المتواجدة في عفرين. لم تقدّم الحكومة التركية أي أدلة وقرائن ملموسة حول حقيقة وجود أي تهديدات، فقد التزمت وحدات الحماية الشعبية YPG بعدم تشكيل تهديد مباشر أو غير مباشر للأراضي التركية المجاورة طيلة السنوات الماضية بقرارٍ مركزيٍ من قيادة الوحدات. وأظهرت ضبطاً للنفس رغم الاستفزازات التركية المتكررة للوحدات كي ترد عليها، بما فيها تسهيل مرور أو التغاضي عن آلاف الجهاديين إلى سوريا الذين عبروا حدودها، والذين شكلوا أكبر تهديد أمني للسكان في مناطق شمال سوريا، كما حملت على كاهلها مسؤولية الحفاظ على أمن المنطقة وسط الفوضى السورية وتهديدات الجماعات المسلحة التي يغلب عليها الطابع الجهادي الإخواني والمدعومة بمعظمها من قبل تركيا. فكانت بذلك منطقة آمنة ومستقرة لجأ عليها عشرات الآلاف الهاربين من جحيم العنف في ريف حلب وإدلب وتقول التقديرات أن عدد النازحين إليها ما يقارب 400 ألف نازح.
الدوافع التركية
تطمح الحكومة التركية ومن منطلقٍ توسعيٍ في المنطقة يستند إلى مخيلة تاريخية فضفاضة وذرائع أمنية إلى السيطرة على مناطق واسعة من شمال سوريا والعراق، وخصوصاً الكردية منها، لمحاربة النهوض الكردي في الداخل التركي أو خارجه بحسب زعمهم. تكتسب منطقة عفرين أهميةً خاصةً لدى تركيا وذلك لقربها من لواء إسكندرون (يحدّ عفرين من الغرب سهل العمق التابع للواء) ذي الأهمية البالغة والذي احتلته تركيا عام 1939 إبان الانتداب الفرنسي على سوريا وبالتواطؤ مع السلطات الفرنسية. يُشكّل المكوّن الكردي غالبيةً مطلقة في المنطقة بنسبة أكثر من 95% حسب تقديرات الكثيرين من سكان المنطقة والباحثين.1 وكانت تسمى في العهد العثماني بـ”كرداغ” (جبل الأكراد باللغة التركية) وبقيت هذه التسمية إلى بدايات العهد الوطني في سوريا ثم استبدلت بتسمية قضاء جبل الأكراد. وتتميز المنطقة بتضاريسها الجبلية الصعبة التي ضاعفت من الفوبيا التركية إزاء وضع هذه المنطقة.
نشر الإعلام التركي مواداً كثيرة حول هذه الجزئية وجرى تضخيمها بناءاً على تصوراتٍ تزعم أنّ هناك دولة كردية تتشكل وسيكون لها منفذٌ بحري على المتوسط عبر الساحل السوري، أو عبر ميناء إسكندرون “التركي” على البحر المتوسط وتطمح لبيع النفط مباشرة عبر هذا الميناء.2 ففي 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2017 صرّح الرئيس التركي أردوغان بوضوح: ”لن نسمح أبدا بممر إرهابي يبدأ في عفرين ويمتد حتى البحر المتوسط.“ (علماً أنّ هناك مسافة حوالي 150 كيلومتر تفصل عفرين عن الساحل السوري، تتوسطها محافظة إدلب وريف اللاذقية الشمالي التي تخلو من سكانٍ أكراد).
وباعتقادي أنّ حجة ارتباط مقاتلي وحدات الحماية الكردية بحزب العمال الكردستاني ورفع صور زعيمه المعتقل في تركيا “عبدالله أوجلان،” أو سيطرة وحدات الحماية الكردية على مناطق ذات غالبية عربية ومختلطة في شمال سوريا بعد تحريرها من “الدولة الإسلامية- داعش” والانتهاكات التي ارتكبتها، ليست إلا دافعاً ثانوياً بعكس ما تروّج الحكومة التركية. فلو كانت المنطقة تحت إدارة أية قوة كردية أخرى وبصبغة كردية لاتبعت تركيا نفس السياسة كي لا تصبح الإدارة الذاتية في شمال سوريا أمراً واقعاً ومعترفاً به في التسوية السياسية القادمة في سوريا، كما في حالة فيدرالية كردستان العراق التي ترسّخت دون إرادة تركيا، واضطرت للتعامل معها تالياً وفق هذه الحقيقة السياسية والدستورية في العراق.
إنّ حلم الهيمنة على شمال سوريا ليس ردّة فعل على الأحداث التي شهدها الشمال السوري. (إقامة إدارة ذاتية كردية، أو الارتباط المفترض لوحدات الحماية الكردية بحزب العمال الكردستاني) وحسب، بل كان في صلب السياسة التركية منذ الأيام الأولى للأزمة في سوريا وعلى نحو استباقي. ففي كتابه «قطار الرافدين السريع» المنشور عام 2012 (ترجمة الراحل عبد القادر عبد اللي) وكذلك في مقابلة له مع قناة «بي بي سي» بتاريخ 19 أبريل (نيسان) 2017، يروي جنكيز تشاندر الصحافي التركي المخضرم وأحد أقرب مستشاري الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال، أنه قبل مرور أسبوعين من انطلاق أحداث درعا في سورية كان ضمن وفد إعلامي في الطائرة الخاصة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في 27 آذار (مارس) 2011 بعد زيارة للعراق (بغداد وأربيل). بادر تشاندر إلى سؤال أردوغان عن الوضع في سورية. طلب أردوغان من الصحفيين أن يضعوا أقلامهم في جيوبهم ويغلقوا المسجّلات الصوتية ولا يدونوا حديثه. وبعد كلام عن عمق صداقته الشخصية والعائلية مع الرئيس السوري بشار الأسد وعائلته، قال أردوغان أن “سورية ليست سوريةً فقط… بالنسبة إلي تعني حلب، وحلب تعني هاتاي (أنطاكية) وعنتاب، المدينتان التركيتان على الحدود السورية، وسورية تعني القامشلي أيضاً، ولا ضرورة للقول ماذا تعني القامشلي. والقامشلي ليست القامشلي لوحدها… بل هي أشياء كثيرة أخرى. (كان يشير للقضية الكردية وآثارها على الداخل التركي). وأضاف أنه لا يمكن السماح بموجة هجرة من سورية الى تركيا كما حصل في شمال العراق بعد 1991. ويجب أن نؤسس خطوط دفاعنا الأولى خارج أراضينا وليس داخل أراضينا، ملمّحاً إلى فرض منطقة عازلة داخل الأراضي السورية.” يضيف تشاندر في مقابلته، وهو العارف بدهاليز السياسة التركية ومن المفترض ألا يُصدَم، أن حديث أردوغان في ذلك الوقت المبكر من أحداث سورية، أي بعد مرور أثني عشر يوماً فقط من شرارة درعا، كان بمثابة قنبلة له!
يُضاف لهذا البعد الكردي الذي شكل ذريعة أساسية للهجوم التركي أهدافٌ وغاياتٌ تتعلق بالأزمة السورية عامةً وحجز نفوذٍ تركي قويٍ في سوريا الجريحة خاصةً في المناطق الشمالية ومنطقة حلب وجوارها، عبر تعزيز نفوذ الجماعات الإسلامية المسلّحة، سيما تلك التابعة لشبكة جماعة الإخوان المسلمين التي تتخفّى وراء تسمياتٍ عديدة ضمن الأطر السياسية والفصائل المسلحة وحتى بعض الهيئات والمنظمات الحقوقية والإغاثية في سوريا التي تحظى بدعم تركيّ- قَطَريٍ غير محدود. يضاف إلى ما سبق سعي الحكومة التركية لتحقيق أهدافٍ تتعلق بالشأن الداخلي لسنا بصدد التطرق إليها الآن.

خريطة رقم ١: مناطق السيطرة في سوريا حتى تاريخ ٢١ آذار (مارس) ٢٠١٨، تُشير الأسهم إلى جبهات التقدم [المصدر مركز كارتر]
صفقة روسية – تركية وتنافس أمريكيّ -روسيّ على كسب تركيا
تتحمّل حكومة روسيا الاتحادية، ذات النفوذ في منطقة حلب وريفها، قسطاً كبيراً من مسؤولية احتلال تركيا لمنطقة عفرين لأنها أفسحت المجال الجويّ السوري الخاضع لها للدولة التركية كي تشنّ حملتها العسكرية جواً وبراً. بل ومنعت الحكومة السورية من تقديم أية مساعدة جديّة للقوات المقاومة في عفرين بعد أن تخلّت عن ممارسة حقها وواجبها في الحفاظ على سيادتها وحدودها ضد العدوان الخارجي وفق القانون الدولي. كما التزمت الولايات المتحدة ذات النفوذ في مناطق سورية أخرى (منبج وشرق الفرات) الصمت تجاه العدوان التركي بحكم علاقاتها مع الدولة التركيا في إطار حلف الناتو. كما لم يتبلور تنديد الاتحاد الأوربي من العدوان التركي إلى أي موقف سياسي فاعل، سوى الموقف الفرنسي الخجول وهو في الأساس لا يملك أوراق قوة في سوريا. أما عربياً فلم تبدي سوى جمهورية مصر العربية تنديداً واضحاً بالعدوان التركي على منطقة عفرين تطور لاحقاً إلى موقفٍ إعلاميٍ عام للجامعة العربية، تحفظت عليه دولة قطر الحليفة لتركيا والداعمة لشبكات الإسلام السياسي في المنطقة كلها والتي وقفت في صف العدوان منذ اليوم الأول وسخّرت إمبراطوريتها الإعلامية (شبكة الجزيرة الإعلامية) للترويج ومساندة العدوان وتضليل الرأي العام العربي والإسلامي.
وكان من الملاحظ أيضاً أنّ “إسرائيل” لم تدلي بأي تصريحٍ رسمي حول العمليات العسكرية التركية في عفرين، وهي لا تكاد تفوت مناسبة لتظهر صورتها كدولة “إنسانية” و”ديمقراطية” تستفظع ممارسات الأنظمة العربية وقتلها لشعوبها، رغم كونها دولة احتلال قائمة على التطهير العرقي وتهجير أهل فلسطين. ويعود سبب الموقف الإسرائيلي إلى موقف حليفتيها روسيا والولايات المتحدة من جهة، وإلى تحسن العلاقات التركية الاسرائيلية بعد المصالحة التي تمت عام 2016 بعد سلسلةٍ من الأحداث التي أدت إلى توتر العلاقات بين الدولتين خاصة بعد حادثة سفينة “مافي مرمرة” في أيار 2010، وكذلك التعاون العسكري والأمني بين تركيا وإسرائيل (تتضمن الترسانة العسكرية التركية أسلحةً إسرائيلية خصوصاً في مجال الطائرات دون طيار) .وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد التقى خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول (سبتمبر) 2017، بممثلي الجمعيات اليهودية وطلب، كما يُفهَم من خطاب له تطرّق فيه لمضمون اللقاء، دعمهم لتركيا ضد استفتاء كردستان العراق وضد التجربة الكردية في سوريا، وإقناع حكومة إسرائيل بذلك.
لم تُعر الحكومة التركية أي اهتمام لأية انتقاداتٍ دولية تعارض سياساتها ولا لهيئات الأمم المتحدة بما فيها مجلس الأمن الدولي الذي أقرّ وقف إطلاق النار على جميع الأراضي السورية، بقراره رقم (رقم 2401) الصادر بتاريخ 24/2/2018، والذي لم يلتزم به أي طرف بما فيه الحكومة التركية.
ثمة لومٌ من جانب بعض الأوساط الكرديّة وكذلك أوساط النظام ومواليه، مفادهُ أنه كان على الإدارة الذاتية في عفرين تسليمها للجيش النظامي السوري قبل بدء العدوان، الأمر الذي كان سيجنّب المنطقة الاحتلال والكارثة الإنسانية التي نجمت عنه. في الواقع لم تنقطع المفاوضات بين الإدارة الذاتية والنظام قبل وأثناء الحملة، غير أن الروس منعوا أي تفاهم بين الطرفين، بحسب قيادات سياسية وعسكرية كردية، أكدّ ذلك أيضاً تقرير مطلع لجريدة الشرق الأوسط بتاريخ 11 آذار (مارس) يقول فيه: “وكانت دمشق تريد العودة إلى عفرين سواء فعلياً أو رمزياً، لكن موسكو رفضت، لأن التفاهمات مع أنقرة أكبر بكثير من عفرين”، بحسب قول مسؤول روسي. بعدها، أرسلت دمشق «قوات شعبية» إلى عفرين وريفها، قوبلت بقصف تركي أوقع عشرات القتلى. وكان هذا تطبيقاً لما أبلغه قائد المركز الروسي إلى حمو وعليا في اجتماع حلب، منه أن موسكو “لن تدعم الاتفاق بين الوحدات والجيش، بل إن تنفيذ هذا الاتفاق خطوة خطرة جداً.” كما أنه تطبيق فعلي لما سمعه حمو من رئيس الأركان الروسي في موسكو عشية بدء عملية «غضن الزيتون» من أن لتركيا “الحق في الدفاع عن أمنها القومي”، وأن الجيش الروسي “لن يعرقل استخدام الطائرات التركية في الهجوم على عفرين.”
وهذا لا يعني أن النظام كان راغباً أو متحمساً أو لديه القدرة العسكرية للدخول إلى عفرين ووضعها تحت سيطرته الكلية وحمايتها بالتالي من العدوان التركي والدخول في مواجهة خطيرة مع الجيش التركي، على افتراض أن تركيا كانت ستحجم عن غزو المنطقة لو كانت تحت سيطرة الحكومة السورية المركزية. صحيح أن النظام أيضاً يريد (تأديب) الأكراد إلا أنه بنفس الوقت يُقدّر خطورة تقدم مسلحي المعارضة مجدداً نحو مدينة حلب بعد أن كاد يخسر مدينة حلب بالكامل بكل مكانتها وثقلها بالإضافة لريفها الشمالي ولم يتمكن من استعادتها إلا بمساعدة الطيران الروسي جواً والمشاركة الإيرانية براً. وكان بالإمكان أن يُقدّم الجيش النظامي السوري مساهمةً عسكريةً متطورةً من حيث العتاد ويبقى المقاتلون الأكراد هم القوة الأساسية في الميدان، بيدَ أن الأمر لم يكن بهذه البساطة. فقد أسرّ لي مصدرٌ موثوق شارك في المفاوضات مع الروس قُبيل بدء العدوان على عفرين، أنّ الجانب الروسيّ كان واضحاً في مطالبه التعجيزية للإدارة الذاتية، التي تمثلت برفض مناقشة الوضع في عفرين بمعزل عن جميع مناطق الإدارة الذاتية في شمال سوريا، كما طلبوا منهم فكّ الارتباط كلياً مع قوات الولايات المتحدة المتواجدة في شرق الفرات، والاندراج في الأجندة الروسية المناهضة للنفوذ الأمريكي في سوريا، وأن يكون بترول المنطقة الشرقية من حصة الروس، وبعد تلبية هذه الشروط يمكن مناقشة وضع عفرين!
بالطبع لم يكن ممكناً للجانب الكردي تلبية هذه المطالب والاشتراطات الروسية حتى لو أراد. وبالفعل أوضح سير المفاوضات بعد بدء العدوان على عفرين حقيقة الموقف الروسي هذا، فتلك المطالب لم تكن سوى محاولةٍ من الروس لوضع اللوم على الإدارة الذاتية فيما كانت الصفقة الروسية التركية حول عفرين قد أبرمت وتنتظر التنفيذ على الأرض. وباءت كافة محاولات إدارة كانتون عفرين مع النظام والجيش النظامي بالفشل نتيجة صلابة الموقف الروسي. وأثناء الحملة أخبر الضباط الروس المتواجدون في سوريا قيادات الوحدات الكردية أن قضية عفرين بيد الرئيس الروسي بوتين حصراً، وليس قاعدة “حميميم” العسكرية الروسية في سوريا. وكلّما توصلت الإدارة الذاتية إلى اتفاقٍ مع الجيش النظامي، تدخل الروس لإجهاض الاتفاق. في المحصلة، وبعد مرور أكثر من شهر على العدوان التركي، تمكنت دمشق من الإفلات من الموقف الروسي الصارم بإرسال “وحداتٍ شعبيةٍ ” رديفة للجيش النظامي بدلاً من الوحدات النظامية، لكنها كانت قليلة العدد والعتاد ومن دون مضاداتٍ للطيران التركيّ. وحتى حينما تعرّض هؤلاء لغارةٍ جويةٍ تركيةٍ في معسكر “كفر جنة” على مشارف عفرين في منطقةٍ خاضعة للنفوذ الحكومي والروسي ويرتفع فوقها العلم السوري الرسمي وقتل منها ما لا يقل عن 36 مقاتلاً دفعة واحدة، لم تستطع دمشق إعلاء صوتها وتقديم بيان احتجاجٍ رسميٍ على القصف التركي. ولا يستبعد أن يكون قصف الموقع قد تمّ بعلم الروس. وفي دلالةٍ على أنّ تركيا مصمّمة على احتلال جميع الأراضي التابعة لمنطقة عفرين بغضّ النظر عما إذا كانت تحت سيطرة الوحدات الكردية أو الجيش النظامي السوري، كان هناك عشرات القرى الكردية التابعة جنوب منطقة عفرين قد سُلّمت للجيش النظامي ورفع فوقها العلم السوري وذات تواجد روسي بعد انسحابٍ كاملٍ للوحدات من منطقة عفرين، ورغم ذلك قصفت تركيا المواقع العسكرية هناك وأجبرت وحدات الجيش السوري على الانسحاب منها، لتحتل أراضي منطقة عفرين بالكامل بقراها ومركزها. وتتبع الحكومة التركية حالياً نفس السياسة الآن مع مدينة “تل رفعت” العربية المجاورة، رغم أنّها واقعة رسمياً تحت سيطرة الجيش النظامي السوري بعد انسحاب وحدات الحماية وجيش الثوار(المتحالفين في إطار “قوات سورية الديمقراطية”) منها.
ومن المرجح أنّ هناك اتفاقاً روسياً-تركياً بخصوص هذه المدينة أيضاً، لذا من غير المستغرب أن تتنازل روسيا عن هذه المدينة أيضاً لتركيا. وهناك ممانعة إيرانية سورية قوية حتى الآن لهذا الاتفاق التركي الروسي بخصوص ” تل رفعت”. والمفارقة هنا أنّ من طرد قوات المعارضة السورية المسلحة من “تل رفعت” وجوارها وهجّر أهلها وسمح لفصيل” جيش الثوار” المتحالف مع الوحدات الكردية في إطار (قسد) بالسيطرة عليها، لم يكن سوى الطيران الروسي نفسه في شباط 2016، والآن تسمح روسيا لنفس الفصائل بالعودة والتمدد واحتلال منطقة عفرين، كمرافقين للجيش التركي.
أرادت روسيا بفسحها المجال الجوي لتركيا الانتقام من تحالف الوحدات الكردية مع الولايات المتحدة شرق الفرات، رغم أن الوحدات الكردية تعاونت مع روسيا أيضاً في حلب وريفها وهناك نقاط عسكرية روسية في مناطق سيطرة الوحدات في حلب. وقبل بدء الحملة العسكرية التركية التي أطلق عليها عملية “غصن الزيتون”، كان هناك نقطة عسكرية روسية في مدخل عفرين أخلاها العسكريون الروس قبيل الهجوم التركي.
اللاعبَان الأساسيان في سوريا إذاً الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية يتصارعان على كسب تركيا. فالولايات المتحدة في طور تحسين علاقتها مع تركيا، الحليف التاريخي والقوي في حلف الأطلسي (الناتو)، بعد تدهورها إثر اتهامات لغولن المقيم في الولايات المتحدة بالتخطيط للانقلاب. كما تعمل روسيا على كسب تركيا في صراعها مع الغرب والناتو ومن أجل أجندتها في سوريا (إدلب والغوطة للنظام وروسيا مقابل عفرين لتركيا)، ولأجل مصالح اقتصادية خارج سوريا (في مجال الطاقة خصوصاً) وصفقات تسليح بينهما (صفقة بيع المنظومة الدفاعية الصاروخية الروسيةS400 لتركيا).
أما الإيرانيون، اللاعب الثاني النافذ في سوريا والداعم للنظام السوري، فله تفاهماته العديدة مع تركيا حول الملف الكردي تحديداً وقد تجلى ذلك بوضوح في مواجهة استفتاء كردستان العراق العام الفائت. وبالنسبة لللاعب الإيراني، فلا يشكل الشمال السوري أولوية له ومنهمك بمناطق أخرى. ورغم ذلك ونظراً لحساسية موقع عفرين وقربها من حلب وتحديداً بلدتي النبل والزهراء، اللتان ينحدر سكانهما من الطائفة الشيعيّة، ومخاوف الإيرانيين من تهديدات مسلّحي المعارضة السورية المدعومة من أنقرة، فإنه من المحتمل بأنّ الوحدات الشعبية الرديفة للجيش النظامي، وهم في غالبيتهم من أبناء البلدتين المذكورتين أعلاه، قد شاركت في مقاومة عفرين بموافقة من الضباط الإيرانيين في سوريا. هذا وقد سبق أن خضعت البلدتان لحصارٍ من قبل المعارضة وقامت الوحدات الكردية في عفرين بالتخفيف منه، ونالت بسبب ذلك غضباً إضافياً من فصائل المعارضة المسلّحة.
لكنّ صرامة الموقف التركي حيال أي دعمٍ للمقاتلين الأكراد في عفرين، والتفاهمات المسبقة بين تركيا وإيران، أجبرت مقاتلي الوحدات الشعبية الرديفة إلى الانسحاب سريعاً من عفرين والعودة لمحيط بلدتي نبل والزهراء. ومن المرجّح أن تركيا قد تعهدت لإيران وروسيا بعدم اقتراب مسلحي المعارضة السورية من البلدتين.
هكذا أساءت الإدارة الذاتية تقدير الموقف وتعقيداته باعتتقادها أنه بوسعها التنسيق مع أطرافٍ مختلفةٍ ومتنافسةٍ ولاعبين كبار في سوريا (أمريكا في منبج وشرق الفرات، وروسيا في حلب وعفرين)، فأصبحت ضحية صراعات الطرفين من جهة، ومصالح كل لاعبٍ مع تركيا من جهةٍ أخرى. كما أثّر التوتر الأمريكي-الروسي بحدّةٍ على الموقف إزاء الحملة التركية على عفرين، فعدا الأسباب الخاصة بكلا الدولتين، حصلت مواجهة كبيرة بين الطرفين أثناء الحملة التركية الأمر الذي منع أي تفاهم بينهما في سوريا يمكن أن يحدّ من الهجوم التركي على طرفٍ يمكن أن يُعتبر حليفاً للإثنين، أو يوقفه عند حد معين .نعني هنا حادثة يوم 7 شباط/ فبراير 2018 في ديرالزور حين قتلت القوات الأمريكية المئات من جنود روس من شركة أمنية خاصة تُعرف بـ “فاغنر” وهي مقربة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكانوا بمهمة مساندة للجيش السوري هناك، الأمر الذي اعتبر بمثابة أول مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا بهذا الحجم ينجم عنها قتلى، ولم يحصل لها مثيل في أوج الحرب الباردة.
بعيداً عن البروباغندا الروسية التي ردّدت مراراً شعار “حماية الدولة السورية” من التفتت والتقسيم كأحد أبرز أهداف تدخلها العسكري المباشر في سوريا في 2015، فها هي تُسلّم مناطق سورية عديدة في شمال سوريا لتركيا، كما تفسح المجال لإسرائيل لتضرب مواقع حكومية سورية أو مواقع إيرانية/حزب الله ضمن الأراضي السورية، وهذا موضوع آخر خارج إطار البحث. وكما تنازلت روسيا عن مناطق جرابلس وإعزاز والباب في شمال سوريا لتركيا، تنازلت أيضاً عن منطقة “عفرين”. ويمكن مقارنة السلوك الروسي، الذي تدخل في الصراع بناءاً على تفويضٍ رسمي من حكومة الدولة السورية ليقيم قاعدةً على أراضيها بموجب اتفاقٍ عسكريٍ أشبه بانتداب ٍغير مقونن، بسلوك فرنسا إبان انتدابها على سوريا حين أعطت لواء اسكندرون لتركيا في ثلاثينات القرن الماضي. لكن بعد تملّص الانتداب الفرنسي من “التزاماته” كانت هناك نقاشاتٌ وجلساتٌ مطولة في عصبة الأمم، وكانت بعض القيادات السورية تناقش وتطالب بحقوقِ سورية الوطنية مستندةً إلى ما ورد في صك الانتداب لجهة عدم جواز التخلي عن أراضي الدولة المنتدبة من قبل الانتداب لأي دولة أخرى. أما الآن فإن روسيا وإيران تقرران نيابة عن الحكومة في دمشق الكثير من القرارات السيادية والمصيرية. ولا نقاشات في الأمم المتحدة وهيئاتها عن هذا الانتهاك الصارخ لسيادة الدولة السورية المنتهكة من عدة دول (أمريكا، روسيا، تركيا، إيران، إسرائيل) ولا صكوك انتداب!
على ماذا كانت تراهن المقاومة في عفرين إذاً؟
كانت المقاومة تراهن بقوّة على تحصيناتها القوية في محيط منطقة عفرين، تلك التحصينات التي تمكنت بفضلها الوحدات الكردية من صدّ المحاولات المتكررة لاقتحام عفرين من قبل الفصائل الإسلامية وحلفائها المدعومة من أنقرة في محيط عفرين، وأنّ المقاومة على الأرض ستغيّر المواقف الدولية بالتدريج ، وأنّ المخطط التركي قد يتوقف بعد تحقيق تركيا لحزامٍ أمنيٍ على امتداد حدودها دون التوغّل في العمق، وكانت بعض التصريحات التركية نفسها تلمح إلى ذلك، وأنّ الولايات المتحدة بوصفها حليفةً للقوات الكردية في شرق الفرات خلال المعارك ضد تنظيم داعش (الدولة الإسلامية) لن تقف متفرجة على سحق تركيا لحلفائها في عفرين، وأنها ستمارس ضغوطاً من نوع ما لوقف العدوان. كما كانت هناك مراهنة على أنّ النظام في دمشق قد يتخذ موقفاً عملياً داعماً بالتدريج، أو أنّ المجتمع الدولي سيتخذ موقفاً يُجبر تركيا على التراجع أو وقف التوغل، أو أنّ الداخل التركي-الكردي نفسه قد يتحرك (عبر تنظيم مظاهراتٍ شعبيةٍ، أو عملياتٍ نوعيةٍ لحزب العمال الكردستاني) لنصرة عفرين ليجبر الحكومة التركية على التراجع. لا تتوافر معلومات فيما إذا كان هناك مراهناتٌ على وعودٍ من أطرافٍ ودولٍ بتزويد المقاومة سرّاً بأسلحةٍ متطورةٍ (صواريخ مضادة للطيران مثلاً).
المقاومة أو الترحيب بالغزو؟
كان من البديهي ألّا يحظى هذا الهجوم بأي ترحيٍب من قبل السكان والقوى السياسية والفعاليات الاجتماعية في المنطقة، وكان من المشروع تماماً أن يبادر شباب وبنات عفرين إلى الدفاع عن أرضهم وأهلهم في وجه عدوانٍ خارجيٍ وغزوٍ يستهدفهم ولا يخفي غاياته في ضرب استقرار وأمن منطقة عفرين وسكّانها، ويضمر تهديداً لوجود الأكراد وحقوقهم المشروعة في سوريا والمنطقة.
كان أمام القيادات الكردية في عفرين خياران لا غير بعد تصميم الحكومة التركية على عدوانها وانسداد جميع الحلول السياسية والدبلوماسية مع الجانب الروسي وتلكؤ الجانب الحكومي السوري وتردّده. الأول هو الترحيب بالجيش التركي، الذي لا يُخفي أهدافه العدوانية والعنصرية، واستقباله بالورود، وهذه كانت ستسجل كواقعةٍ سوداء في تاريخ القوى السياسية والاجتماعية في عفرين. ولم يكن ممكناً لأي جهة كردية أن ترضى بهذا الموقف الذي لا يُغفَر تاريخياً، سيما وأنّ وحدات الحماية الشعبية كانت قد حصّنت منطقة عفرين عسكرياً بشكل جيد تحسّباً لهذا اليوم المتوقع وكانت القيادات الكردية تدرك أن المخطط التركي واسع جداً ويتجاوز عفرين، والمعركة تستحق أن تُخاض بكل الإمكانات لوقف المخطط في عفرين. فكان الخيار الثاني وهو ممارسة حقّ الدفاع المشروع عن النفس ضد غزوٍ خارجي غير مشروع. بهذا لم يمارس أهل عفرين سوى حقهم المشروع والمبدئيّ في ردّ العدوان الخارجي وغير المشروع بكافة المعايير الحقوقية والإنسانية، وليسوا السبب في إطلاق العدوان وشنّ الحرب، بل كانوا هدفاً وضحايا لحرب ظالمة عدوانية من خارج الحدود.
في الواقع كانت التحصينات العسكرية في محيط منطقة عفرين على التلال والمرتفعات (أنفاق طويلة مفتوحة على بعضها في مناطق جبلية صعبة ووعرة، وخنادق عسكرية) مُحكمةً للغاية، وقد جرى التحضير جيداً في السنوات السابقة لهذا الهجوم المتوقع. وقد تكرّر على لسان القوات التركية والجماعات السورية المهاجمة أنها تحصينات هندسية عسكرية متطورة جداً لا يمكن أن تقوم بها إلا دول وليس ميليشيات وأحزاب. بالمقارنة مع أنفاق غزة مثلاً يقول تقرير: ” وبينما يجري الحديث عن أنفاق في غزة بطول كيلومترات عدة وبعمق يتراوح بين 10 إلى 30 متراً تحت الأرض، تتحدث المصادر التركية عن أنفاق موصولة بعمق وصل إلى 150 متراً وبطول وصل إلى عشرات الكيلومترات، غطيت جميعها بالإسمنت المسلح، يتسع عرض بعضها لدخول شاحنة كاملة في داخلها، لتكون بذلك أشبه بمدينة كبيرة أخرى بنيت أسفل عفرين.”
لكن الطيران الحربي التركي وطائرات المراقبة التي لم تفارق سماء المنطقة والتقنية العالية الحديثة للقوات التركية لم تترك مجالاً فعلياً لأية مواجهات بريّة مباشرة. وسلاح الجو التركي يعدّ الأكثر تطوراً في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة الأمريكية. أعلن وزير الدفاع التركي والصحافة التركية عن أسلحة حديثة في معركة عفرين تستخدم لأول مرة من قبل الجيش التركي، منها طائرة تجسس بدون طيار (درون) صغيرة للغاية بحجم أكبر قليلاً من “النحلة” (تسمى بطائرة النحلة) تستطيع كشف المخابئ والكهوف في التلال والجبال ولا تصدر أصواتاً وغير قابلة للكشف، كما تستطيع التحليق والتصوير لعدة أيام. وهذه الطائرات الحديثة أمريكية في الأصل، تعتمد تقنية النانو، وتٌغير مسارها دون أن ترتطم بأي عائق.
أما الوحدات الكردية فاعتمدت على تكتيك الانسحاب والكمائن والتفخيخ ومضادات الدروع. وقد قالت لي مصادر في الوحدات الكردية أنه لشدة القصف الجوي والمراقبة الجوية لم تتمكن المقاومة من استخدام ما لديها من أسلحة خفيفة ومتوسطة، ففي معظم الأحيان ما إن يُوضع صاروخ على منصةٍ أو عربة إطلاقٍ أو يتحرك مقاتلون من الكهوف تسبقهم ضربة جوية بفعل المراقبة الجوية الحثيثة. وكانت خسائر القوات المدافعة في غالبيتها العظمى عن طريق القصف الجوي والمدفعي من بعيد وليست الاشتباكات المباشرة. ورغم غياب التوازن العسكري لصالح الجيش التركي، فقد وقعت خسائر غير قليلة في صفوف القوات المهاجمة، بينهم عشرات الجنود والضباط من القوات الخاصة التركية عبر كمائن، وأعلنت تركيا عن إسقاط مروحية هجومية تركية في عفرين ومقتل طاقمها.
حظيت مقاومة وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJوحلفائها من قوات سورية الديمقراطية ( قسد) بالتفافٍ شعبيّ منقطع النظير وبمساندة أبناء عفرين الذين تطوعوا في صفوف المقاومة أو قدّموا المساعدة في الخطوط الخلفية وأعمال الإغاثة والدعم الطبي والإعلامي. وعلى مدار 58 يوماً تكبّدت القوات المهاجمة خسائر كبيرة قياساً لفارق التقنية والتسليح. وقد عبّرت المقاومة الميدانية والاحتضان الشعبي عن رفضٍ للعدوان وعن وحدة حال بين أهل عفرين بجميع توجهاتهم وتضامناً بين الأكراد ورافضي العدوان والغزو من المواطنين العرب والسريان من منطقة “منبج” وحتى منطقة “ديرك” في أقصى الشمال الشرقي السوري، وكذلك الجاليات الكردية في الخارج والمهجر، وأكراد تركيا والعراق وإيران.
بعد انهيار الدفاعات الأمامية للمقاومة بعد أكثر من شهر تقريباً من الهجوم، تقدّمت القوات التركية وحلفائها من كتائب المعارضة المسلحة السورية بشكلٍ متسارع ٍ وباشرت حصارها لمركز مدينة عفرين وقطعت المياه بعد استهداف سد بحيرة “ميدانكي.” كما اشتدّ القصف المُركز على المدنيين فيها الأمر الذي أسفر عن وقوع الكثير من الضحايا في يومي 16-17/3/2018 واستهدافٍ للمشافي والمرافق المدنية والخدميّة الأمر الذي اضطر المقاومة لاتخاذ قرارٍ مؤلمٍ، لا يقل شجاعة عن قرار الدفاع، وهو الانسحاب من المدينة لتجنيب المدينة المكتظة بما يزيد عن نصف مليون إنسان مصيراً مأساوياً، سيما وأنّ الميزان العسكري كان لصالح الجيش التركي بفارق ٍلا يقارن، وكان هناك صمتٌ دوليٌ كامل أعطى مزيداً من التشجيع لتركيا للمضي بمشروعها الاحتلالي.
ما اعتمده الجانب الكردي في عفرين منذ لحظة بدء العدوان حتى احتلال مركز المدينة كان حصيلة الموازنة بين ممارسة حقٍ مشروعٍ بالدفاع عن النفس والممكنات والحسابات المتأتية من استمرار المقاومة في معركة مدينة عفرين-المركز في ظل موازين القوى العسكرية والسياسية وتصاعد وحشية القصف التركي على المراكز المدنية. ورغم ذلك فقد سيطر الارتباك والتشوش على موقف وحدات الحماية وإدارة كانتون عفرين في الأيام الأخيرة للمقاومة، الأمر نجم عنه تخبط في إدارة الأزمة وعدم مصارحة الأهالي بقرار الانسحاب الذي اتخذ شكل الانهيار وليس الانسحاب المدروس، مما أدى الى حالة سخط بين الأهالي بسبب تلك الطريقة الغامضة، والتي بدت وكأنّ مسؤولي الإدارة في عفرين تركوا الأهالي لمصيرهم لا يعرفون ماذا يفعلون، خاصةّ وأنّ الحواجز الأمنية للإدارة كانت تمنع خروج السكان من المدينة في الأيام السابقة، بحسب بعض التقارير والمصادر.

خريطة رقم ٢: تُظهر الوضع في شمال غرب سوريا حتى تاريخ ٢١ آذار (مارس) ٢٠١٨ [المصدر مركز كارتر]
المأساة الإنسانيّة في عفرين تتحملها دولة الاحتلال التركي
سقط نتيجة هذا العدوان مئات الضحايا بين المدنيين بين شهداء وجرحى بينهم أطفال ونساء وشيوخ وكذلك بين صفوف المقاومين. وبحسب المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية يانز لاركي فقد نزح ما لا يقل عن 167 ألف شخص جراء الأعمال العدائية باتجاه أطراف منطقة عفرين المتاخمة لمدينتي نبل والزهراء وتل رفعت في ريف حلب الشمالي وفي ظروف صعبة وقاسية للغاية. حيث منعتهم مثلاً حواجز النظام من التوجه إلى مدينة حلب حيث يملك الكثير منهم منازل هناك، إلا بدفع رشوة تبلغ حوالي ألف دولار للشخص الواحد ولا يملك هذا المبلغ الضخم إلا عددٌ محدود جداً من النازحين.
وقعت مدينة عفرين ونواحيها وقراها (نحو 400 قرية) تحت الاحتلال التركي المباشر ورُفعت فيها الأعلام التركية والأناشيد القومية التركية. أما الجهاديون السوريون (وهم مكون أساسي بين الكتائب المسلحة السورية المرافقة للجيش التركي تحت ستار اسمٍ جديد “الجيش الوطني السوري”) فيواصلون التعامل مع سكان عفرين المتنوعين عقائدياً والمتعايشين بسلام وهدوء ودون تمييز كـ” ملاحدة وكفار،” ويعبثون بالرموز الدينية العائدة للكرد الإيزديين ويستهترون بهم وعقيدتهم، ويختبرون إيمان الناس علناً في الشوارع بالسؤال عن عدد الركعات في كل صلاة، لمعرفة فيما إذا كان الشخص ملتزماً دينياً أم لا ، كما ظهر في فيديوات بثها مقاتلو المعارضة أنفسهم على وسائل التواصل الاجتماعي. وهذه ظاهرة شاذة عند أهل المنطقة وتشكل تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي المتآلف والمتعايش في منطقة عفرين الذي تميّز بغياب التوترات الإثنية والدينية والطائفية ونمطٍ متسامحٍ إزاء التعبيرات الدينية المختلفة. ومن المرجح بأن يؤثر نمط السلطة الجديد على هذا النموذج الاجتماعي المنفتح والمندمج على المدى البعيد.
سبقت الحملة العسكرية على عفرين حملة مكثفة موازية بين أوساط المعارضة السورية في إعلامها تتهم وحدات الحماية وحزب الاتحاد الديمقراطي بالعلمانية الحاقدة أو إلالحاد والكفر…والشيوعية!3 وتبرعت أوساط كرديّة وعلمانيّة باتهام قياداتها بأنها “عَلويّة “! كما روجت بعض وسائل الإعلام المعارضة أنّ إدارة “صالح مسلم الذاتي” تغازل الأسد وتفتتح مركزاً للعلويين في عفرين كما ورد في أحد تقارير الأورينت المعارضة.
كما أصبحت مدينة عفرين منذ اللحظة الأولى لاحتلالها ( 18/3/2018) مدينةً مفتوحةً لنهبٍ منظّمٍ ومقصودٍ من قبل المئات من مقاتلي المعارضة الذين ارتضوا العمل تحت راية العلم التركي بحيث لم يتركوا منزلاً أو محلاً تجارياً أو مسجداً إلاّ ونهبوه تماماً.4
في الواقع فإنّ كافة الفصائل المسلحة في سوريا دون استثناء مارست النهب والسرقة عند سيطرتها على أي منطقة، لكنها فاقت جميع التصورات في حالة عفرين بسبب التحشيد الديني ضد المنطقة من قبل الجهات السورية المدعومة من أنقرة بإطلاق أوصاف تكفيرية على أهل عفرين واستباحة دمائهم وممتلكاتهم بموجب فتاوى معلنة وأخرى غير معلنة. فمثلاً أصدر “المجلس الإسلامي السوري” المعارض ومقره اسطنبول، فتوىً مؤيدة للعمليات العسكرية التركي بتاريخ 26 شباط /فبراير2018 واصفاً قتال “قوات سورية الديمقراطية” بالجهاد في سبيل الله، وتضمنت الفتوى حديثاً عن “الغنائم.”
وفي أعقاب احتلال مركز مدينة عفرين هُدم نصب تذكاري للشخصية الأسطورية ” كاوا الحداد” القائم في مدخل المدينة في مشهد احتفالي كبير، وهو رمز للشعوب المحتفلة بالنوروز ومنهم الكرد، الذين يشغل عندهم شخصية كاوا معنى نضاليّاً ضد الطغيان ورمزاً للحرية. كما تم حرق جميع الرموز والأعلام الكردية والدوس عليها بصرف النظر لأي حزب أو جهة تعود. و يبدو جلياً سلوك الانتقام من خصوصية المنطقة الإثنية في ممارسات الجيش التركي والفصائل السورية التي تقاتل معه في عفرين.
منذ 18 آذار 2018، أصبحت منطقة عفرين تحت الاحتلال التركي المباشر الذي خرق الحدود الدولية مع سوريا، وخرق القانون الدولي، وهجّر أهل عفرين من قراهم ومدنهم الآمنة التي كانت تحتضن عشرات الآلاف من النازحين (العرب) من ريف حلب وإدلب، و أشعل فتنة بين الكرد والعرب المتآخين في مناطق شمال سوريا، هذا بالإضافة لجرائم واسعة ارتكبت بحق المدنيين من أهالي منطقة عفرين منذ بدء العدوان، وتخريب وتدمير للبنية التحتية، سيما في بلدتي جنديرس وراجو، ومنشآتٍ خدميةٍ كثيرة ومواقع أثرية عديدة كمعبد عين دارة الشهير وموقع براد الأثري (الذي يضم ضريح مار مارون) والمسجل على لائحة مواقع التراث العالمي (اليونيسكو) منذ عام 2011.
يتعيّن على كرد سوريا وجميع السوريين المعارضين للاحتلال التركي وأنصار السلم والديمقراطية ومناهضي الفاشية حول العالم، العمل المكثّف مع هيئات الأمم المتحدة والدول ذات النفوذ في الأزمة السورية لإعادة النازحين والمهجرين من مناطق عفرين وضمان عودة آمنة وسريعة وكريمة إلى قراهم وبلداتهم وتقديم مساعدات إغاثية وطبية عاجلة لجميع الأهالي، ومنع أي تغييرٍ ديمغرافي أو إخلالٍ بالتركيبة السكانية قد تمارسه تركيا أو الجماعات السورية المؤتمرة بأمرها تحت أي حجج. ما هو مؤكد على المدى القريب، أنّ العودة إلى عفرين غير ممكنة حالياً بالنسبة للعديد من السكان الذين شاركوا في الإدارة السابقة في كافة قطاعاتها العسكرية والأمنية والخدمية والصحية والإعلامية والتعليمية، وعوائل شهداء المقاومة ومناصري حزب الاتحاد الديمقراطي وقيادات القوى السياسية والاجتماعية التي تعاونت مع الإدارة السابقة وعارضت الاحتلال أو آزرت المقاومة بأي شكل من الأشكال. نتحدث إذاً عن مئات العوائل العفرينية الممنوعة من العودة.
وبالتوازي مع هذا المحور الإنساني الملح والعاجل ينبغي العمل على المسار القانوني بالعمل على تثبيت صفة الاحتلال على الوجود التركي في عفرين والتصرّف بموجب ذلك، أي الدعوة للخروج الفوري للقوات الأجنبية ومن رافقها إلى خارج الحدود الدولية السابقة للعدوان، وتحميل الدولة التركية مسؤولية المنطقة دون أن تكتسب صفة السيادة على هذا الجزء المقتطع من أراضي الدولة السورية، لأنها أصبحت فعلياً تحت سيطرة الجيش التركي ورفع العلم التركي في كثير من المقرات والمباني الإدارية. وبالتالي تتحمل حكومة أنقرة كامل المسؤولية وفق القانون الإنساني الدولي. وحتى جلاء هذه القوات عن أرض عفرين وعودتها إلى أهلها تحت السيادة السورية، فإنّ تركيا مسؤولة عن كافة الجرائم والانتهاكات والأضرار التي وقعت منذ بدء حملتها العسكرية في 20 كانون الثاني الماضي. وواجبات سلطة الاحتلال محددة بشكل واضح في لائحة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة بالإضافة إلى بعض أحكام البروتوكول الإضافي الأول والقانون الدولي الإنساني العرفي، وسوى ذلك من مواثيق وقوانين دولية ذات صلة.
الهوامش:
1- بحسب الباحث محمد عبدو علي ” يشكل الأكراد غالبية السكان في منطقة عفرين، وهم يقطنونها منذ القدم، ولم يشاركهم أحد في استيطانهم لها على مدى قرون عديدة وحتى القرن التاسع عش، وهي تتوزع على سبع نواح، يشكل الأكراد في خمس منها نسبة تقارب 100 %، وهي نواحي: شيخ الحديد، راجو، بلبل، شران، معبطلي. أما العرب والفئات الأخرى القاطنة في المنطقة فينحصر وجودهم في ناحيتي “جنديرس والمركز – عفرين.” (جبل الكرد (عفرين): دراسة تاريخية اجتماعية توثيقية. المديرية العامة للصحافة والطبع والنشر. السليمانية. العراق. 2009، ص 161)
2– تكررت مثل هذه المزاعم مراراً في جريدة “يني شفق” المقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم وكتابات رئيس تحريرها إبراهيم قره غول خصوصاً. ففي مقابلة مع موقع تركيا الآن، صرّح قره غول “أنّ تركيا بقيامها بعملية تحرير “عفرين” قد أغلقت الطريق أمام ممرّ البحر الأبيض المتوسط، الذي يهدف الإرهابيّون إقامته” . وفي تسجيلٍ مصور أدلى نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم Hamza Dağ بتصريحاتٍ مشابهة أن عملية عفرين اقتصادية أيضاً، وقطعت محاولات مد انبوب بترول بديل من اقليم كردستان عبر المناطق الكردية في سوريا إلى البحر المتوسط بدل المرور بتركيا.
3-هناك فتاوى عديدة لـ “المجلس الإسلامي السوري” المعارض بهذا الخصوص. انظر مثلاً الفتوى المعنونة بـ “حكم الإقامة في مناطق تحت حكم ميليشيات PYD” (10 حزيران /يونيو، 2016) حيث تصف القوات الكردية بالـ “ميليشيات PYD العلمانية الحاقدة.” كذلك الفتوى الصادرة بتاريخ 31 أيار/مايو، 2016، بعنوان “حكم القتال بين تنظيم الدولة والميلشيات الكردية” والتي جاء فيها يرد فيها (بالنسبة للسؤال عن موقف المسلم من القتال الواقع بين تنظيم الدولة في الرقة والميليشيات الكردية العلمانية التي تتخذ من اسم قوات سورية الديمقراطية ستاراً لها، فإننا نرى أن كلا الفصيلين فاسد ومنحرف).
4-صرّح Bulent Kilic وهو مصور تركي كان يغطي الوضع في عفرين لوكالة فرانس برس، التي نشرت صور السرقة والنهب في عفرين لشبكة سي إن إن CNN:
” عمليات النهب كانت واسعة النطاق ومنظّمة. المئات من مقاتلي المعارضة كانوا يركزون على النهب أكثر من الاحتفال بانتصارهم…كانوا ينهبون كل شيء؛ سلع وحيوانات وماعز وحتى طيور الحمام”. وتابع قائلاً “كنت في مناطق حروب لسنوات عديدة. يحدث أن اثنان أو ثلاثة أشخاص ينهبون…لم ألاحظ الكثير بداية. ولكن بعد ذلك رأيت أنهم على عجلة من أمرهم لأخذ كل شيء من هذه المدينة “. وقال “إن بعض الكتائب صبغت أسماءها على متاجر معينة كأسلوب لحجز النهب في المستقبل. “…”سكان عفرين غاضبون من نطاق السطو ويحاول كثيرون العودة لحماية منازلهم ومتاجرهم.”
تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع جدلية
بواسطة Abdullah Al Hassan | مارس 31, 2018 | Cost of War, News, Reports, غير مصنف
مع سيطرة الجيش السوري على أغلب مساحة الغوطة الشرقية بعد خروج فصيلي ”أحرار الشام“ من حرستا، و“فيلق الرحمن“ من زملكا وجوبر وحزة وعربين، وهي المناطق التي بقيت تحت سيطرته في القطاع الأوسط، أصبح واضحاً بأن الوجود المسلح لفصائل المعارضة السورية أصبح محسوماً في تلك المنطقة، والتي شهدت أعنف حملة عسكرية عليها منذ بداية حصارها في نهاية عام ٢٠١٢.
لكن يبقى السؤال الأهم، ما هو مصير فصيل ”جيش الإسلام“ المحاصر في مثلث دوما، وبعهدته ما يقارب ١٤٠ ألف مدني؟
بدأت مفاوضات جيش الإسلام مع الجانب الروسي منذ بداية الحملة العسكرية على الغوطة في منتصف شباط ٢٠١٨، ومع استمرار تقدم الجيش السوري في مزارع الغوطة، من الناحية الشرقية، حيث الخاصرة الرخوة للمحاصرين، ثم محاصرة كل فصيل على حدة، بعد تراجعه إلى مركز سيطرته (جيش الاسلام في مدينة دوما مع امتداد حتى بلدة الريحان في الشمال الشرقي للغوطة، وأحرار الشام في مدينة حرستا، بينما تآكلت مناطق فيلق الرحمن وتصالحت مدنه مع ما فيها من مدنيين ومقاتلين مع النظام بشكل منفرد، وبالتالي أضحى محاصراً في مدن زملكا وجوبر وحزة وعربين) تقدَّم جيش الاسلام بعرض إلى الجانب الروسي، وكما رشح من بنود هذا العرض، والمحفوظة ضمن دائرة ضيقة في قيادته، أن يتحول جيش الإسلام إلى شرطة مدنية (بدل خدمة العلم الإلزامية في الجيش السوري) في مدينة دوما وما حولها، مع تسليم السلاح الثقيل، ودخول رمزي لمؤسسات الدولة، ورفع العلم السوري على الدوائر الحكومية، ودخول كتيبة شيشانية لتأمين المنطقة بدل دخول الجيش السوري وقوات النظام الرديفة.
ومع الحديث عن تواجد وساطة مصرية في دمشق تسعى للحفاظ على جيش الإسلام ومدينة دوما، كما تسرب من الصحافة، يبدو أن الجانب الروسي تعاطى بشكل ايجابي مع عرض جيش الإسلام في البداية، حيث دخلت المساعدات الإنسانية إلى مدينة دوما وحدها دون غيرها عدة مرات، وخرجت الكثير من الحالات المرضية والإصابات بالغة الخطورة من داخل مدينة دوما لتلقي العلاج في العاصمة دمشق، وأيضاً أعلن الجانب الروسي عن وقف إطلاق النار من جانب واحد على مدينة دوما فقط، وهذا أعطى جيش الإسلام قناعة بأنه يملك أوراق تفاوضية قوية ومختلفة عن فيلق الرحمن أو أحرار الشام، فهو لم يُخِل باتفاقية ”خفض التصعيد“ التي وقعها مع الجانب الروسي في ٢٢ تموز ٢٠١٧، على عكس فيلق الرحمن الذي ساند بشكل واضح أحرار الشام في معركة ”بأنهم ظلموا“ على إدارة المركبات في مدينة حرستا، ولم يقم أيضاً بقصف العاصمة دمشق كما كان يفعل سابقاً في مثل هذه الظروف، في حين أن فيلق الرحمن أمطرها بوابل من القذائف والصواريخ، مما أوقع العشرات من الإصابات والضحايا في صفوف المدنيين، وأيضاً يتباهى جيش الإسلام بأنه أول من حارب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”داعش“ وذلك بعد أشهر من إعلان التنظيم عن قيام دولة خلافته، حيث اقتلعه تماماً من الغوطة الشرقية وقضى على وجوده فيها، ثم قاتله في جنوب دمشق، وفي جبال القلمون بالتعاون مع قوات أحمد العبدو المحلية هناك، وكذلك حربه ضد هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) حيث دخل مراكز قيادتها في ٢٨ نيسان ٢٠١٧ بعد أن قتل وأسر العديد من قادتها وعناصرها، ولولا تدخّل فيلق الرحمن المتأخّر لحماية من تبقى منهم، لكان أنهى وجودها بشكل كامل في الغوطة الشرقية.
لكن يبدو بأن الجانب الروسي كان يملك اليد العليا في إدارة المعركة على الأرض ومن خلال التفاوض أيضاً، فهو أعطى نوعاً من الاطمئنان لقادة جيش الإسلام في رده على مطالبهم، ومن ثم بعد أن دخل الجيش السوري إلى القطاع الأوسط وبدأت مدنه وبلداته تُصالح منفردة، ومع تحوّل صمود أحرار الشام في حرستا إلى تفاوض بفعل ضغط الأهالي، تغير موقف الجانب الروسي فجأة، وقيل بأنه انسحب من تعهداته التي قدمها لجيش الإسلام، وهذا ظهر واضحاً من خلال تصرفات جيش الإسلام الذي حاول التلويح بأوراق تفاوضية جديدة، فاستعمل منظومة صواريخ الأوسا (9K33 Osa منظومة قاذفة، تحمل ستة صواريخ دفاع جوي محمولة على سيارات نقل بستة عجلات، ومدمج بها رادار في سيارة واحدة، وكان جيش الإسلام قد استولى عليها من قاعدة دفاع جوي بالقرب من دمشق في نهاية ٢٠١٢) للمرة الأولى خلال هذه الحملة، وأطلق صاروخين اثنين في اتجاه مروحييتين للجيش السوري دون إصابة أي منهما، وذلك في ١٧ آذار الماضي، وأيضاً قام باستعراض لبعض دباباته في وسط دوما، ثم فتح معركتين في مساء اليوم التالي، واحدة باتجاه حرستا بالتعاون مع أحرار الشام فيها، حيث قيل بأنه تسلّم سلاحهم الثقيل قبل إبرام اتفاقهم النهائي مع النظام السوري، وأخرى أحرز من خلالها تقدماً في مزارع بلدة مسرابا، فعاد القصف من جديد على مدينة دوما موقعاً العديد من الضحايا، وكان أشدها في ٢٣ آذار حين تم قصف المدينة بالنابالم والفوسفور الحارق.
مع عودة الهدوء النسبي وتوقف القصف على مدينة دوما، عاد جيش الإسلام إلى التفاوض من جديد، ولكن هذه المرة كان من خلال لجنة مدنية (تم انتقاء معظم أفرادها من المقربين منه) وعبر خط تفاوض جديد موازٍ لخط العسكر التفاوضي، ومع ذلك لم يتم تحقيق أي شئ يُذكر، فالموقف الروسي ثابت، خروج من دوما إلى محافظة إدلب أو جبال القلمون الشرقي، مع تسليم السلاح الثقيل، وتسوية أوضاع الراغبين في البقاء، مع إعطاء مهلة سنة كاملة قبل الالتحاق بالجيش للمتخلفين أو الفارين من خدمة العلم، وأن تكون الخدمة الإلزامية في الفرقة الخامسة (وهي فرقة ميكانيكية، تتموضع في الجنوب السوري ومسؤولة عن الجبهة الجنوبية، شاركت في حرب تشرين في ٧٣ وكانت أكثر الفرق نجاحا حيث وصلت إلى مشارف بحيرة طبريا) وكذلك أبدى الجانب الروسي استعداده للتفكير في إرسال كتيبة شيشانية إلى دوما، بدلاً من الجيش السوري وقوات النظام الرديفة، وبالتالي بقي الوضع معلّقاً مع جولات من التفاوض شبه اليومية وبحضور ممثل عن الأمم المتحدة المتواجدة في دمشق.
يعلم الجميع بأن ”جيش الإسلام“ قد انتهى، وهو يعلم ذلك، فخروجه إلى محافظة إدلب، يعني بأنه سيكون في مواجهة غير متكافئة مع هيئة تحرير الشام، على الرغم من تأكيد قيادة أحرار الشام في الشمال بتأمين الحماية اللازمة والكاملة لجيش الإسلام إن رغب في التوجه إلى محافظة إدلب، والجانب الأمريكي يرفض تماماً فكرة توجه جيش الإسلام نحو الجنوب إلى درعا، والجانب التركي كذلك يرفض بشكل قاطع دخول أي مدني أو مسلّح إلى مناطق سيطرة درع الفرات، حتى أنه ومن معه من فصائل المعارضة السورية وضعوا ”فيتو“ على دخول ”فيلق الرحمن“ للقتال إلى جانبهم سواء في قيادة الأركان أو في درع الفرات، ويبدو أن جيش الإسلام قد أغضب الأتراك حين قبل بالوساطة المصرية عند توقيع اتفاقية خفض التصعيد، وبالتالي لم يبقَ أمام جيش الإسلام إلا منطقة جبال القلمون الشرقي، وهي منطقة مُحاصَرة بشكل أكثر سوءاً من مدينة دوما الآن، ناهيك عن عدم أهليتها لاستقبال هذا العدد من المقاتلين وعائلاتهم.
مع كثرة الشائعات والأقاويل، يتحرك الشارع المدني – المُغيّب تماماً عن تقرير مصيره – في دوما بشكل تصاعدي يوماً بعد يوم، مقابل خطاب خشبي يدعو إلى الصمود والمبايعة على الموت من قادة جيش الإسلام وشرعييهم، واستخدام ظالم للغة التخوين مع استدعاءات الأجهزة الأمنية لمن يخالفهم الرأي. لقد خرج من دوما حتى الآن أكثر من ٢٠ ألف مدني عبر معبر مخيم الوافدين إلى مراكز الإيواء الجماعية التي أعدّها النظام السوري لاستقبالهم، مجازفين بأنفسهم ودون وجود أي اتفاق يضمن مصيرهم، لكن يبدو أن جيش الإسلام لا زال يكابر مُعوّلاً على حظوظه في نجاح المفاوضات، دون أن يشرح على ماذا يستند ويراهن، متحدياً بذلك المنطق الذي يقول بأنّه لا يملك في المفاوضات ما يُعطيه مقابل ما يطلبه لنفسه، ربما يكون تعليل ذلك بأنّه مُحاصر في خياراته، ولا يملك سوى الصمود بقدر ما يستطيع. لكن هذا الصمود المستند على الخطاب الحماسي، سوف يدفعه في النهاية إلى تكرار ما حدث مع ”فيلق الرحمن“ حين خرجت المظاهرات مندّدة به، ثم انشقت جماعات متفرقة من عناصره، وتحولت إلى ”قوات دفاع وطني“ من خلال مصالحات مباشرة مع النظام.
في المقابل، يبقى الجانب الروسي متعنتاً في موقفه، وهو يعلم بأن ”جيش الإسلام“ لا يملك خياراً سوى التمسك بأرضه والمواجهة لأجل البقاء، وبالتالي من المفيد تقديم نموذج حميد نحو تحوّل بعض من فصائل المعارضة السورية – الأكثر اعتدالاً – إلى شرطة محلية (مكان خدمة العلم)، بدل تركها لتكون تابعة لمصالح وغايات دولية وإقليمية، أو الدخول في معارك معها سوف تُخلّف الكثير من الضحايا في صفوف المدنيين، مع دمار أصبح سمة رئيسية للمدن والبلدات السورية. ربما يكون النظام السوري هو المعطل لذلك كما تناقلت بعض الصحف، وربما لذلك يسعى الروس لكسب تأييد الأتراك في قبول صفقة ما لترحيل جيش الإسلام إلى جرابلس أو منبج، ويبدو أن مساعي الروس قد نجحت في تحقيق ذلك خلال الساعات الماضية، وبالتالي نبقى في انتظار الرد من جيش الإسلام على هذا الخيار الأخير.
على جانب آخر، تغيب مؤسسات ومنظمات الأمم المتحدة عن المشهد الحاصل في الغوطة الشرقية، وعندما تحضر تكون بطريقة ”رفع العتب“ دون تدخّل أو تأثير مباشر، فمجلس الأمن – وبعد تأجيل التصويت مرتين بسبب الاعتراض الروسي على صيغة القرار – يُخرج في ٢٤ شباط ٢٠١٨ القرار رقم ٢٤٠١ والقاضي بوقف الأعمال العدائية لمدة ٣٠ يوماً متتالية في جميع أنحاء سوريا، مستثنياً من ذلك تنظيم ”داعش“ و ”جبهة النصرة“ والكيانات الإرهابية كما حددها مجلس الأمن، مما أعطى روسيا والنظام السوري غطاءً دولياً ليفعلوا ما يشاؤون، بحجة وجود عناصر جبهة النصرة هناك، والذين لا يتجاوز عددهم الـ ٣٠٠ عنصر في القطاع الأوسط، وحين أعربت الفصائل الثلاث في رسالتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، وللرئیس الدوري لمجلس الأمن السفير الكويتي منصور العتيبي عن “التزامنا التام بإخراج مسلحي تنظيم هيئة تحرير الشام، وجبهة النصرة والقاعدة، وكل من ينتمي لهم وذويهم من الغوطة الشرقية لمدينة دمشق خلال ١٥ يوماً من بدء دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الفعلي“ لم تتحرك الأمم المتحدة لايجاد آلية للتنفيذ، مما اضطر جيش الإسلام إلى الاتفاق بشكل مباشر مع وفد الأمم المتحدة الذي دخل مع القافلة الإغاثية في الخامس من آذار لأجل ترحيل الدفعة الأولى من عناصر هيئة تحرير الشام الموجودين في سجونه إلى محافظة إدلب، وأيضاً لم تُحرّك الأمم المتحدة ساكناً عندما قامت قوات أمن النظام السوري باستبعاد نحو ٧٠٪ من المساعدات الإنسانية ومن بينها المواد الطبية من قافلة المساعدات التي دخلت دوما يومها، ولا عندما اضطرت تلك القافلة للخروج مسرعة دون أن تفرغ تسع شاحنات من حمولتها، بسبب القصف المتواصل على المدينة أثناء عملية التفريغ، وأيضاً لم تتحرك مؤسسات الأمم المتحدة الإغاثية لتقديم المساعدة للمدنيين العالقين في مراكز الإيواء المؤقت في مناطق سيطرة النظام.
في النهاية، يبقى المدنيون هم المتضررون الأساسيون، فهم نقطة ضغط للمهاجمين، ودرع واق للمدافعين، حيث تسقط الإنسانية، ويُصادِر السلاح رغبة العاقل في الكلام، وتبقى معظم الاتفاقات والاعتبارات محصورة في السلاح ومن يحمله، وفي ذيل القائمة تجد بنداً يتحدث عن تأمين المدنيين، ومن سخرية الأحداث أن يُنقل بعض من عناصر ”هيئة تحرير الشام“ بأمان إلى محافظة إدلب، في حين يرفض الجانب الروسي أي اتفاقية تشمل خروج من يرغب من المدنيين نحو إدلب، إلا بعد الاتفاق مع فصيل جيش الإسلام.
*مصدر الصورة المرافقة للمقال: REUTERS/Omar Sanadiki
بواسطة لامار اركندي | مارس 27, 2018 | Cost of War, Reports, غير مصنف
“ماتزال صورة والدي المختطف على يد تنظيم داعش متمترسة بجدار ذاكرتي، أحاول مراراً وتكراراً أن أرسمه في لوحاتي، وأتخيل أنه عاد مع شقيقتي وأشقائي وأولادهم وزوجاتهم إلى البيت.” بصدى أنة مقهورة تدخل “سهيلة دخيل تعلو” الناجية الإيزيدية في تفاصيل أسرها مع عائلتها من قبل مقاتلي تنظيم داعش في الثالث من شهر آب/أغسطس 2014، حيث مايزال بعضهم مجهولي المصير.
سكبت “سهيلة” في لوحاتها ألوان عذاباتها، وترجمت بريشتها رحلة ألم عاشتها خلال فترة اختطافها لسنتين من قبل التنظيم بعد سيطرة مقاتليه على بلدتها شنكال (120 كم غرب الموصل) في العراق قبل نحو أربع سنوات.

صورة رقم 1: تظهر “سهيلة” في مرسمها
لحظات موجعة لم تبرح مخيلة الشابة الصغيرة بعد تحريرها من الأسر، وعودتها لأحضان من تبقى من عائلتها، لتعيش في مخيم “شاريا” بدهوك في كردستان العراق مع أخيها “ساهر” وشقيتيها “سهار” و”شيماء” الناجية مع والدتها “عمشي” من براثن داعش.
نمّت سهيلة موهبتها في الرسم بعد عودتها لعائلتها والتحقت بدورة لتعلّم فنون إتقان الرسم على يد الرسام الكردي الشهير “بيار محمد عمر” من مدينة دهوك مع مجموعة مؤلفة من “12” ناجية إيزيدية تحررن وعشن في المخيم.
عرضت مؤخراً الرسامة الناجية لوحاتها في أول معرض للرسم في مجمع “شاريا” للنازحين الإيزيديين والذي لاقى حضوراً كبيراً فعشقها لفن الرسم كان اللبنة الأولى في طريق تغلبها على محنتها.
15 رهينة من العائلة
سُبيت “سهيلة” في عامها الثالث عشر مع 14 فرداً من عائلتها، الأب “دخيل”، والشقيقتين “ألماسة” و”شيماء” والأشقاء “سعد” و”آزاد” و”خلف” وزوجاتهم وأطفالهم مع العمة “ليلى” وطفليها.
واجهت “تعلو” كغيرها من المختطفين والمختطفات الإيزيديات حقبة سوداوية مقيتة عاشتها بعد نقلها مع المئات ممن أسرهم داعش في حافلات إلى دائرة نفوس “شنكال”، ومنها لقضاء “بعاج”، فسجن “بادوش” قرب مدينة الموصل، ومنها إلى قضاء “تل عفر” حيث فصلت عن عائلتها وانتهى بها المطاف في قاعة “كالاكسي” في الموصل برفقة شقيقتيها “ألماسة” و”شيماء”.
عدة مرات تعرضت الشقيقات الثلاث للاغتصاب اليومي، ولأشد أنواع التعذيب النفسي والجسدي والبيع والجوع والضرب المبرح.
وقد تمّ فصل الأخوات عن بعضهن فـ”شيماء” الصغرى نُقلت إلى سورية، وبقيت “سهيلة” في الموصل، أما “ألماسة” فلم يتسن للعائلة الحصول على معلومات عنها حتى اليوم.
بُيعت “سهيلة” الشابة الصغيرة أكثر من ثماني مرات، ناهيك عن تبادلها من قبل عناصر داعش بين بعضهم كسلعة تباع وتشترى.
أخذت عملية تحرير “تعلو” وقتاً طويلاً، فقد استغرقت أكثر من سنة كما حدثنا عمها الكاتب الإيزيدي “خالد تعلو”. حيث قال: “تتبعنا أخبار سهيلة عن طريق بعض الناجيات اللواتي استطعن الهرب من سجون داعش، وعلمنا أنها أقدمت على الانتحار قبل أن يغتصبها جنود الدولة الإسلامية، غير أن محاولتها في قطع شريانها باءت بالفشل، وبعدها تمكنا من شرائها عن طريق وسطاء بيننا وبين داعش بمبلغ 6800دولار.”

صورة رقم 2: “سهيلة” بالزي الايزيدي الشعبي
فوجئنا أننا عبيد!
سُيقت الشابة الإيزيدية “سهيلة” إلى أسواق الرق بين تلعفر والقيارة والبعاج وحمام العليل والحويجة والموصل لأكثر من ثماني مرات وتذكر “سهيلة”: ” فوجئنا أننا أصبحنا عبيداً، نُباع ونُشترى كسلع رخيصة لا حول لنا ولا قوة، ناهيك عن أن عناصر التنظيم كانوا يتبادلوننا فيما بينهم، بعد إجبارنا على اعتناق الإسلام وتهديدنا بالضرب والحرق والتشويه.” وتضيف: “بعد فصلنا عن عوائلنا كنا نتعرض للاغتصاب الجماعي أنا والعشرات من الفتيات مع شقيقتي “ألماسة” التي لا نعرف عنها حتى الآن شيئاً هي ووالدي وأشقائي الثلاثة مع زوجات وأولاد اثنين منهم. تم تحرري في الموصل وأما شقيقتي شيماء فقد تحررت في مدينة الرقة السورية قبل حوالي سبعة أشهر، فشيماء التي تم بيعها لأكثر من 10مرات وهي لم تبلغ الثماني سنوات حين أختطفت وبيعت لأحد أمراء التنظيم في الرقة وكان سعودي الجنسية واغتصبت بشكل يومي بعد ربطها بالسرير.”

صورة رقم 3: “شيماء” مع أسرتها بعد عملية التحرير
تحرير الرهائن مغامرة:
تحرير الناجيات عملية معقدة جداً، حيث تتم حسبما يتحدث “خالد تعلو” بعيداً عن أنظار داعش وبسرية تامة جداً، ويضيف: “يتم عرض صور المختطفات الإيزيديات والأطفال على موقع النخاسة الإلكتروني الذي يديره داعش.” موضحاً: “بعض الوسطاء يدخلون المزاد في هيئة موالين لتنظيم داعش ويشترون بناتنا بعد اتفاقهم مع أهالي الأسيرات على قيمة المبلغ الباهظ، ويجب على أهالي المخطوفين تأمين المبلغ المحدد قبل تحريرهم.” ويتابع: “صفقات التحرير مغامرة تواجهها صعوبات جمة، أهمها أن العديد من أهالي الضحايا يعجزون عن تأمين المبلغ المطلوب في التوقيت المحدد فتفشل عملية التحرير.”
شراء الرهائن بمبالغ خيالية
يشتري الإيزيديون أسراهم لقاء مبالغ مالية كبيرة، تُنهك قدرة عوائلهم، فيدفعهم ذلك إلى بيع ممتلكاتهم والاستدانة لشراء حرية أحبتهم.
أكد “شُكُرْ شَنكالي” مسؤول المجلس الإيزيدي في “شنكال” أنه لم يحرر أسير واحد دون مقابل مادي إلا مرة واحدة قبل حوالي عامين، حيث حرر53 إيزيدياً في عملية مقايضة مع امرأة داعشية كانت من مدينة “حلب السورية” تدعى “عزيزة” والتي تزوجت من أربعة أمراء للتنظيم واعتقلت من قبل وحدات حماية “شنكال” صيف 2016 في طريق عودتها إلى الموصل مع مجموعة من عناصر التنظيم”.
تحدث “خالد تعلو” عن تحرير “عمشي” والدة سهيلة من مدينة الرقة في الرابع من نيسان 2017 بمبلغ 11500دولار، وزوجة ابنها تحررت مع بناتها الثلاث في 24نيسان 2016 من مدينة طبقة السورية بميلغ 29ألف دولار.
ويضيف تعلو: “اشترينا حرية شقيقتي ليلى وطفلتيها ’سالار وسارة‘ بمبلغ 27ألف دولار من مدينة الرقة في نيسان2017.

صورة رقم 4:”سهيلة” مع عمها الكاتب “خالد تعلو”
ناجيات ورهائن
كشفت مديرية الشؤون الإيزيدية في إقليم كردستان الشهر الماضي عن آخر إحصائية لأعداد الفتيات والنساء والأطفال الرهائن لدى تنظيم داعش، فضلاً عن الناجين من سجونه.
ونقلت وسائل إعلامية في تصريح صحفي لمدير مديرية الشؤون الإيزيدية في دهوك، “عيدان الشيخ كالو” (في4 شباط 2018) قوله أن: “العدد الكلي للناجيات والناجين الإيزيديين الذين اقتادهم تنظيم داعش في مطلع آب 2014، بلغ (3259) شخصاً.” وأضاف: “وأما عدد الرهائن لدى التنظيم كان قد بلغ (6417) شخصاً، وهناك أكثر من 3158 مايزال أسيراً لدى داعش في الأراضي السورية والتركية، بينهم 1472 من الإناث.”
ووفقاً لإحصائيات غير رسمية، يقدرعدد الإيزيديين بنحو 600 ألف نسمة في العراق، يقطن غالبيتهم في محافظتي نينوى ودهوك، فضلاً عن وجود أعداد غير معروفة في سورية وتركيا وجورجيا وأرمينيا، وأعداد أخرى من المغتربين في دول أوربية أبرزها ألمانيا والسويد.
وتعرض الإيزيدون إلى 74 مجزرة وكان آخرها في 3 آب/ أغسطس 2014 في “شنكال” موطنهم الأصلي في العراق بعد اجتياح مقاتلي داعش، وسيطرتهم على محافظة نينوى شمال العراق، وقتلهم لمئات الإيزيديين في قضاء “شنكال” وقرى غرب الموصل وسبيهم آلاف النساء والأطفال، وارتكابهم أبشع جرائم ضد الإنسانية جمعاء.
بواسطة Salon Syria Team | مارس 21, 2018 | Reports, Roundtables, غير مصنف
طاولة مستديرة أعدتها هيئة التحرير في صالون سوريا
يكتسب موضوع الهوية أهمية كبيرة في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ سوريا الحديث، والتي تتسم بصراع تقسيمي، وبتدخل من أطراف دولية وإقليمية تعبث بالمصير السوري. وفيما يتحدث كثيرون عن فيدرالية، أو تقسيم، أو مناطق نفوذ، أو محميات، أو مناطق آمنة، يبدو المجتمع السوري أكثر تفككاً من قبل، وتبدو القوى السياسية سواء في المعارضة أو السلطة عاجزة عن بلورة خطاب توحيدي، أو مشروع يوضح إلى أين تتجه الأحداث في سوريا، وما الذي يعنيه أن تكون مواطناً سورياً في إطار وجود قانوني. بالتالي يصبح من الملح طرح موضوع الهوية السورية، وخاصة بعد تفكك الهوية القومية المفروضة على مكونات المجتمع وبزوغ هويات مناطقية ونعرات طائفية ومكبوتات قومية تاريخية لجمتها الإيديولوجيا القومية عبر ارتباطها بالسلطة. وبرزت إلى السطح هويات تكتسب بحكم الولادة أو بالانتماء إلى خلفية معنية، أو بالقالب الطائفي الذي يُرمى على الآخر بسبب استغلال الانقسامات الاجتماعية في الصراع.
يدعو “صالون سوريا” الكتاب إلى معالجة الموضوعات التالية:
برأيك كيف يقارب السوريون هويتهم وكيف يريدونها أن تكون بالمعنى السياسي، ضمن إطار مشروع مستقبلي لبناء الدولة؟ كيف يعرّفون أنفسهم على المستوى السياسي والاجتماعي؟ هل تمثلهم الأطراف المتصارعة؟ هل هناك شيء يمكن أن يجمع عليه السوريون؟ إلى ماذا يطمح السوريون وماذا يريدون أن يحققوا على هذا المستوى؟ما طبيعة الصراع الدائر، دوافعه الإيديولوجية والدينية والسياسية وتأثيره في موضوع الهوية؟ بأي اسم يخاض الصراع القائم في سوريا؟ هل يعكس إجماعاً على هوية، أم يتسم بهويات تقسيمية؟ وما هو شكل الهوية السياسية القادمة في سوريا في ظل استمرار الأوضاع الحالية؟ هل تقاتل الفصائل المعارضة والأصولية من أجل فرض هوية إسلامية على سوريا؟ من أجل ماذا يقاتل النظام وما هو تصوره المستقبلي لمفهوم الدولة، إذا كان لديه تصور؟ وما هو التصور الثقافي لمفهوم الهوية في سياق الصراع؟ وهل هناك شيء يجمع عليه السوريون يتخطى الصراعات القائمة؟
سينشر صالون سوريا الإسهامات التي ترده تباعاً ويفعل روابطها.
–الجامعة السورية
يوسف سلامة
–دمشقيتي السورية المنتمية إلى فلك العروبة
فواز حداد
–الهوية السورية هوية مضادة
راتب شعبو
–الهوية السورية المقتولة
علياء أحمد
–هوية و هويات
جمال سعيد
–هويتنا القاتلة
لبنى أبو خير
–الخوف من الثورة بوصفها فضيحة للهوية المشوهة!
عمر الشيخ
-البعث والهوية السورية
رانيـــــــــــــــا مصـــــطفى
–أنا سوري! آه يا ويحَ قلبي
أروى غسان
–البدل ليس ضائعاً…الهوية السورية في استراحة مقاتل
ملك بيطار
–السوريون وصراع الهوية والانتماء
عامر فياض
–بيان من أجل الهوية السورية!
معتز نادر
–الهوية السورية وأسئلة الحرب المفتوحة
معاذ اللحام
–حول الهويات في سوريا
مصطفى تاج الدين الموسى
–الهوية السورية على المحك
زينة محمود
–قومية زائدة… هوية ناقصة!
إلياس بيطار
–سجالات الهوية الوطنية وغياب دور الدولة
أنور بدر
–الهوية السوريّة الضائعة
فريد حسن ياغي
–الهويَّة السُّوريَّة من التَّفخيخ حتَّى الانفجار
عامر العبود
–هوية بلا دين ولا طائفة ولا قومية
غيداء العودات
–هويّة شوّهتها العقائد والمصالح
عادل نديم أحمد
بواسطة سلوى زكزك | مارس 12, 2018 | Cost of War, Reports, غير مصنف
ربما هي مصادفة سعيدة بتزامن يوم المرأة العالمي مع عيد الأم في شهرٍ واحد هو شهر آذار (مارس). لكن بسبب تفاصيل الحرب اليومية يغدو معنى كلمة عيد أو يومٍ خاصٍ للنساء ترفاً ممجوجاً ومدعاةً للكوميديا السوداء، ويصير سؤال النساء عن رغباتهن أو انطباعاتهن في هاتين المناسبتين مجرّد كلامٍ فارغٍ دون أي مضمون، ،وهذراً كلامياً لا مبرر له ولا من مستعدٍ حتى لخوض غمار التفاعل معه والإجابة عن تلك الأسئلة. إن كان البعض يحيل هذين اليومين لمناسبة تذكيرية بالهموم والنواقص والانفعالات العاطفية إلا أنّ الطابع العام هو مجرد اجترار لهمومٍ تئن دونما سعي لتدبيرها واستهلاكٍ للدموع لا راد له وزهورٍ وورودٍ على الشاشة الزرقاء أو شاشة الجوال وهدايا ترهق الجيوب ولا تُفرح القلوب.
“أم نشأت” سيدة خمسينية تعيش في الحديقة. قد توحي كلمة حديقة بوجود مساحة خضراء وارفة الظلال وفيرة المياه والمقاعد، لكنها هنا مجرد أرض جرداء بلا شجر أو عشب طري، مقاعدها مجرد بقايا مفصلاتٍ معدنية مغروزة في الأرض الجرداء. سألتها عن أمنياتها فقالت: “لا أمنيات، مجرد حاجات، أن أعود لبيتي، أن أستحم بماءٍ نظيف وحمامٍ مغلقٍ، أن أنعم بملابس نظيفة ودافئة بعد الاستحمام، أن أشرب قهوتي على شرفتي الصغيرة وأن ألقي تحية الصباح على جيراني وأهل حارتي.”
كانت “أم نشأت” قد قالت لي سابقاً في أول يومِ في السنة الجديدة وفور معايدتي وأمنياتي لها بسنة أفضل: “ليش قديش اليوم بالشهر نحنا وبأي سنة ؟” قالت لي يومها: “لو كان لدي مجرد حائطٍ صغيرٍ أعلق عليه تقويماً للأيام وساعةً جداريةً لكنتُ فهمتُ عليك ورددت المعايدة بأحسن منها!”
في اللامكان الذي يصير بيتك واللازمان الذي يصير عالمك نحن لا شيء أيضاً.
***
في مراكز الإيواء والحدائق والبيوت المشتركة التي تضم عائلاتٍ عديدةٍ يتحول الجنس إلى كابوس وتصبح العلاقات الزوجية مسرحاً للانتقام. “غالية” سيدة متزوجة تزوج زوجها الشهم بامرأة ثانية، ويعيشون في أحد مراكز الإيواء. بترتيب ٍغريزيٍ وبقرارٍ تحت إلحاح الحاجة تقرر النسوة تخصيص أحد الحمامات للعلاقات الجنسية، يبدو الأمر هنا تحايلاً عبقرياً على التشرد والحرمان، لكنه يترتب على غالية أن تكون الحارس الأمين لزوجها وضرّتها أثناء ممارستهما للعلاقة الزوجية. تخيلوا غالية تقف على باب الحمام والاضطهاد العاطفي يصفعها بعدد اللحظات خاصة بعد أن تخلى زوجها عن معاشرتها لصالح الزوجة الأصغر سناً والأجمل والأحدث. وكأن الزوجتين مجرد طنجرة يُفضل استخدام الأحدث حرصاً على جودة الطعام ومنظره، تشييئٌ دونيٌ تتآمر فيه الحرب وظروفها والقوانين التمييزية وهمجيتها والعادات ووحشيتها وذلها.
***
تحاول سمر جاهدةً تأمين موافقة على وصايتها على طفلتيها لأن زوجها مفقودٌ ووالد الزوج بعيدٌ جغرافياً وأشقاء الزوج في ألمانيا. تريد سمر التصرف في بيت الزوجية وتأجيره لتأمين دخلٍ يعيلها مع ابنتيها الصغيرتين.
أمّا غادة فقد استلمت قرار زوجها بتطليقها عبر وكيلٍ قانوني هو زوج أخته، وزوج غادة في هولندا وقد تزوج بسيدة سورية من حلب تعيش هناك. يبدو قرار الزوج تطليق زوجته إيجابياً فهو يمنح غادة هنا حريتها ويفك وثاقها من ارتباط ٍعلى الورق، لكنه يُجبر غادة باعتبارها مطلّقة ترك منزل الزوجية هي وأطفالها الثلاثة ولتذهب إلى الجحيم، خاصةُ أنها لا تعمل وأهلها يعيشون في بيتٍ مستأجر يقطنه سبعة عشر شخصاً، والنفقة في أحسن الأحوال لا تتجاوز العشرة آلاف عدا عن الإجراءات المعقدة لرفع الدعوى ووجود الزوج في الخارج وغيرها من التعقيدات البيروقراطية.
***
تحولت شذا ما بين ليلة وضحاها إلى معيلةٍ لأسرتها، لوالدتها المصابة بالسكري ولأبيها الضرير ولشقيقاتها اليافعات وأبناء أختها الكبرى التي أصبحت أرملة فجأة. مقابل بنطال جينز لأختها التي لم يتبق لديها ما يستر جسدها، وافقت شذا على ممارسة الجنس مع صاحب محل بيع الألبسة الجاهزة الذي تعمل لديه. وكرّت سبحة بناطلين الجينز والبيجامات والأحذية وأسطوانة الغاز وتكاليف الدواء وأجرة البيت وملابس المدرسة والكتب والدفاتر، وهكذا تحولت شذا لإحدى ممتلكات صاحب المحل الذي خصص مكانا ضيقا في المستودع لمعاشرتها كما يشاء مقابل الإنفاق دونما حماية أو أدنى اعتراف، بل إن تسميعات الجوار من أصحاب المحال والزبائن جعلت من شذا عاهرة يحاول الجميع النيل منها بذريعة أنها رخيصة ولا مانع لديها من معاشرة أي كان مقابل منفعة مادية.
***
سميرة سيدة خمسينية سافر زوجها وولداها إلى النمسا فباتت وحيدة ومهجورة مصابة بمرض ارتفاع الضغط. تقطن سميرة في شقة في الطابق الثاني عشر من برجٍ سكني، وذات يوم اكتشفت نفاذ أدويتها بينما كانت الكهرباء مقطوعة والصيدليات في عطلتها الأسبوعية فماتت من الخوف إثر نوبة قلبية نفسية المنشأ من شدة الذعر. كان بوسعها البقاء حيةً أياماً دونما دواء خفض الضغط لكن توترها ووحدتها وغياب من يرعاها أو يتطوع لمتابعة أدويتها مرةً بالأسبوع أودوا بحياتها في لحظةٍ موجعةٍ، ولو توفر لها أي مقوّم من المتابعة أو المسؤولية أو الشراكة، لكانت قد بقيت على قيد الحياة تنتظر ورقة لم الشمل لتلتحق بعائلتها. ولابدّ من الإشارة هنا إلى أن عدة سيدات أعرفهن قد قمن بخطوةٍ غريبةٍ وحديثة العهد على المجتمع السوري، خطوةٌ صفق لها الكثيرون والكثيرات واعتبروها حلا مثالياً لتوابع وحدتهم/ن، وهي قيامهن ببيع البيوت التي يسكنونها ويملكونها ووضع قيمتها في المصرف والإقامة في أحد المآوي المأجورة التي تتبع للكنيسة مقابل الإقامة والمتابعة الصحية والتنظيف، أي عناية كاملة مع حق استقبال الضيوف وحرية الحركة خارج وداخل المأوى المذكور.
وتبدو الشكوى الأكثر إيلاماً هي حياة الأبناء، موتهم غير المعلن إلا باتصال هاتفي، تغيبهم الطويل دونما خبر أو زيارة أو معلومة، استقبالهم بكفن أو من دونه والتكتم على أمراضهم النفسية جراء الاختباء الطويل أو الشدات النفسية جراء التهديد أو الفصل من العمل أو ضياع مصادر الرزق أو تضرر أجسادهم بقذائف أو رصاص طائش لا يوجد من يردعه أو يحاسب أو يعوض عن نتائجه المرة.
***
في الحرب اسأل النساء وحدهن عنها، على وجوههن تمر شظايا الخيبات والفقد والرحيل وعلى أجسادهن تسجل علامات الانتقام والانكسارات والعقوبات والانهزامات، هن مرآة الحرب وهن خلاصة القول وبلاغة الخسارات. في قلوبهن أسئلة بلا أجوبة وانتظارٌ يطول يميت جذوة الحياة قبل ترنح أجسادهن في مهاوي الترمل والطلاق والفقدان والجوع والمذلة والتنميط والتهميش والاغتصاب والمتاجرة بعواطفهن وأمومتهن وأجسادهن وحقوقهن الأساسية. في الحرب تصبح الأعياد مجرد نهشٍ للروح وضرباتٍ صارخة للتذكير بفداحة الجروح والنواقص وبسطوة الغياب والتغييب.
للسوريات القابضات على الجمر، المنتظرات ظلال الأمل وقرارا بوقف الحرب، كنّ بخير يا غاليات. لنكون وسورية بخير.
هنا دمشق
الثامن من آذار 2018
بواسطة Samer Ismail | مارس 9, 2018 | Culture, Reports, غير مصنف
تصادم أساليب حاد شهده المسرح السوري في سنوات الحرب السبع الفائتة، فالمسرح الذي كان يرتهن لأشكاله القديمة وتكراراته المملة خلع هذه المرة ثوب الوقار القومي، ليرتدي بزته المموهة وقبعة الإخفاء الماهرة من جميع أنواع الرقابات السلطوية منها قبل الاجتماعية والقبلية. يمكننا الإطلالة على هذه الخشبة التي تصرخ وهي تحترق؛ إذ سجلت مسارح سوريا -ولاسيما في العاصمة دمشق- عشرات العروض التي عبّرت عن شجاعة واضحة ورغبة في الإشهار والصراخ في وجه الموت العمومي وغرائز التدمير الهمجية.
المسارح السورية أيضاً ولاسيما الأثرية منها والتاريخية من مثل مسرحي بصرى وتدمر تم السيطرة عليهما من قبل المليشيات المسلحة، بل تحول مدرج تدمر التاريخي إلى منصة إعدام شاهد العالم كله ماذا فعل ما يسمى بـ (تنظيم الدولة الإسلامية- داعش) فوق خشبته الحجرية.
سيكون نصيب المسرح القومي من عروض الحرب هو الأغزر إنتاجياً، ولن تكون الرقابة القبْلية حديدية كما كان الوضع ما قبل الحرب، فلجان المشاهدة وقراءة النصوص صارت أمراً شكلياً، وصار من الممكن تقديم أطروحات موضوعية على الخشبة بهامش مفاجئ من حيث سعته وقدرة العاملين في المسرح على أخذ الأمور حتى نهاياتها في انتقاد طرفي النزاع على حدٍ سواء.
“كأنو مسرح” لـ غسان مسعود عن نص لابنته ” لوتس مسعود” كان مثالاً على توسيع هوامش جديدة، وتسمية الأشياء بمسمياتها على الرغم من الحلول الفنية المتواضعة والبنية المباشرة للنص المكتوب؛ إذ كان (مسعود) قد ركز على تناول الحرب من مقلبٍ آخر عبر تطويع نصوص المآسي الكبرى لشكسبير في مسرحيته “عرش الدم- الأوبرا السورية” ولتكون “مكبث” باقتباس رياض عصمت عنها هي حكاية العنف والشر والطموح بالسلطة؛ وحيث (الدم يطلب الدم) كإسقاط ماهر عن نبذ للعنف، وإدانة القتل العبثي.
مثله كان عرض ” اختطاف” لـ أيمن زيدان، والذي قام بالتعاون مع محمود الجعفوري بإعداد مسرحية “الأبواق والتوت البري” للإيطالي داريو فو، موجهاً نقداً لاذعاً لتحالف السلطة مع المافيا، والاستثمار في الإرهاب تحت عناوين وشعارات يسارية ضللت الشعوب وجعلتها نهباً لحكومات رجال الأعمال المتعاقبة.
سوف يقدم (زيدان) أيضاً مسرحية “دائرة الطباشير” مستعيراً نص المخرج والكاتب الألماني “برتولت بريخت- 1898- 1956” عن العنوان ذاته الذي أراده “زيدان” مفتوحاً على كافة الإسقاطات الممكنة حول الحرب الدائرة في بلاده منذ سنوات؛ وذلك بحذفه لكلمة “قوقازية” من عنوان النص الأصلي؛ تاركاً “الدائرة” هنا دون إغلاق مكاني أو زماني.
من جانب آخر تناول المسرح الحربي البيئات الفرعية ذات الثقافات الإثنية والعرقية عبر أكثر من عرض كان أبرزها “المرود والمكحلة” لكاتبه عدنان العودة ومخرجه عروة العربي. خروج من سطوة النصوص القديمة نحو أشكال مسرحية جديدة للمراهنة مجدداً على فعل اللهجة وقدرتها على ابتكار الحركة على خشبة المسرح؛ وصولاً إلى خصوصية إبداعية تسعى لتأصيل اللهجات المحلية في اللعبة المسرحية، وذلك بالذهاب أكثر خلف ما يشبه ملحمة سورية معاصرة بدأت عام 1917 بمذبحة الأرمن على يد العثمانيين، لتتقاطع مع حكاية شاب سوري- كردي يصادف أخته من أمه في ليلة من ليالي دمشق بعد سنوات طويلة.
سيكرر (العربي) التجربة في عرض (مدينة في ثلاثة فصول) عن نص ( احتفال ليلي خاص في دريسدن) لـ مصطفى الحلاج، وذلك عبر التعرض لجذر الإشكالية السورية من خلال السؤال التالي: الحرب بين من ومن؟ يسأل أحد الممثلين في العرض؟ فيجيب آخر: “الحرب بين (نا) و(نحن) وليست بيننا وبين إسرائيل، نحن يقتلنا و(نا) يقتلُ نحنُ”. سوف لن تحضر هنا وصايا ” غوبلز” وزير الدعاية الحربية في حكومة هتلر، بقدر ما سنشهد سجالات لها إسقاطاتها على الحرب السوريةبالنظر أكثر نحو التجارب الطازجة.
الأماكن البديلة:
حضرت الأماكن البديلة جنباً إلى جنب مع فن الارتجال كجزء أساسي من مسرح الحرب السوري، ليأتي في مقدمته مختبر مفتوح بشكل علني وشجاع على كتابة النص الجماعي عن أعراض الصرع السوري، وذلك دون التعويل على النصوص الأجنبية المترجمة أو الاقتباس عنها، بل في اقتراح صيغة راهنة وحارّة عن المعيش اليومي وفداحة الخسائر الإنسانية في ظل الحرب. الجنون هنا أتى كثيمة مناسبة لاختراع أبعاد أكثر تحرراً في مخاطبة الجمهور، ولاسيما في التجربة التي قدمها المخرج سامر عمران في مسرحية “رماد البنفسج” محققاً تعاوناً لافتاً مع الكريوغراف نورا مراد لصياغة فضاء مسرحي أطل على اللحظة الراهنة بكل تناقضاتها ومفارقاتها الصادمة؛ حيث عمل كل من “عمران” و”مراد” على تحقيق عرض استوحى حكايته من مستشفى الأمراض العقلية؛ متخذين من سيكولوجيا الجنون مادةً رئيسةً لإدارة الممثل. شخصيات ذكّرت برائعة الألماني بيتر فايس “مارا ساد” وقصة “العنبر رقم ستة” لتشيخوف.
سوف يكرر (عمران) هذه التورية في استخدام مقهى شعبي في قلب دمشق القديمة، وذلك ليقدم مسرحيته “نبوءة- إنتاج عين الفنون” مسنداً دور الحكواتي لممثلة شابة (ربا الحلبي) ليكون الجمهور أمام حكواتية امرأة في مناظرة ذكية مع الكرسي الفارغ الذي يتوسط مقهى النوفرة الأثري بعد موت” أبو شادي” آخر حكواتي في دمشق بعد نزوحه من بيته مع أسرته من ريف دمشق بفعل النزاع الدائر؛ فمنذ موت آخر حكواتي في البلدة القديمة، أصبح أعرق مقاهي العاصمة السورية يستقبل زواره دون سماعهم سيَر عنترة وعبلة وأبي زيد الهلالي، إلا أن “عمران” في “نبوءة اختار “مقهى الشام القديمة” المواجه مباشرةً لمقهى “النوفرة” في تحدٍ فني لافت لرجال احتكروا مهمة السرد لقرون طويلة؛ متناولاً سنوات الحرب في بلاده؛ لتسرد المرأة هذه المرة حكاية من نوعٍ آخر؛ مبتعدةً عن قرقرة ماء النراجيل وجمر أدخنتها وصيحات أنصار الزير ودياب الغانم. الحكواتية الشابة تلت نبوءاتها المتعددة دامجةً بين التمثيل والترتيل والغناء، مفتتحةً بمقطعٍ من “ملحمة السراب” لسعد الله ونوس 1941- 1997″ المسرحية التي كانت بمثابة استشراف مبكّر لما سيؤول إليه واقع البلاد.
صرخة المسرح في وجه الحرب استمرت قوية وهادرة من خلال عروض كان لها طابعها السياسي، وسمتها الجدلية والمعاندة لأطروحات السياسة (دعارة العقل) كما يصفها نيتشه، ولتأتي عبارة “هوب هوب” لتكون عنواناً للمسرحية التي قُدِّمت على مسرح الحمراء، ولتكون بمثابة طلب صريح وواضح من “سائق الحافلة” السورية بإيقاف فوري وعاجل للحرب الدائرة منذ سنوات على امتداد كامل البلاد؛ فالعرض الذي أخرجه الفنان عجاج سليم كان قد اشتغل عليه مع اثني عشر ممثلاً وممثلة في ورشة مفتوحة على الارتجال الجماعي مع الممثل؛ مطوّعاً نص “الجزيرة القرمزية” للروسي “ميخائيل بولغاكوف-1891- 1940” عن إعداد جوان جان؛ ولصالح مقاربة جريئة اتخذت من الكارثة الوطنية الأعنف في تاريخ البلاد موضوعاً فنياً لها؛ إذ يأتي عرض “هوب هوب” ليكون العرض الجماعي الأول الذي رفع عقيرة المسرحيين السوريين عالياً إزاء ما يدور على أرضهم؛ مقتبسين العبارة الشعبية “هوب هوب” كصرخة بمدلول سياسي لا يخلو من التهكم والمرارة؛ حيث بدا هذا جلياً من كلمة المخرج “سليم” على بروشور العرض: ” (هوب هوب) تعني الطلب من (سائق الحافلة) التوقف السريع؛ وفي اللهجة الدارجة تشير بشكل عام إلى الرغبة بإنهاء فعل، أو حوار، أو مشكلة، …أو أزمة؟”.

هوب هوب
مختبر مسرحي:
بمقابل عروض المسارح الكبرى للعاصمة والأماكن البديلة كان ثمة مختبر مسرحي ينمو بهدوء وكتمان داخل جدران المعهد العالي للفنون المسرحية؛ مختبر كان من الصعب عليه أن يزدهر ويترعرع على مسارح العاصمة السورية؛ أولاً من جهة المحرّمات الدينية والسياسية التي ستواجهه في حال العمل على هذه المسارح المفتوحة نسبياً أمام شرائح متنوعة بين الجمهور والحشد، وثانياً من جهة طبيعة العروض التي يديرها أساتذة ومخرجي الأكاديمية المسرحية الأعرق في البلاد، والتي تنحو إلى صيغ أكثر تحرراً ومباغتة للراسخ في الدماغ الجمعي الديني والسياسي.
هكذا على الأقل قدم فايز قزق عرضه ( إيواء واء واء- أستوديو شريف شاكر) كحلقة من سلسلة عروض كان (قزق) قد بدأها مع طلاب التمثيل، فمن ( وعكة عابرة- 2008) إلى ( حكاية السيدة روزالين- 2011) وصولاً إلى هذا العرض؛ والذي برهن من خلاله بطل عروض (فرقة شكسبير الملكية) تجربةً إثر أخرى أن البروفة هي الزمن الأصلي لصياغة العرض المسرحي؛ سواء من حيث اشتغاله على الارتجال كمسوّدة دائمة الكتابة مع الممثل، أو حتى من خلال تلك الرغبة في نبش خفايا هذا الممثل وزعزعة كيانه الداخلي؛ دافعاً إياه إلى أقصى ما يمكن من البذل والسخاء على الخشبة؛ خارجاً في مسرحية ( إيواء واء واء) إلى براح التأمل الجماعي والبحث وفقاً للفرضية التي وضع المخرج السوري ممثليه فيها؛ لتكون وجهاً لوجه مع الحرب الدائرة في بلادهم.
حكاية الشخصيات الثماني عشرة في عرض ” إيواء واء واء” بدت مزدحمة بحضورها وأفكارها واضطراباتها الموحشة، وتعويلها على التناقضات، من مثل مشاهد الأطفال في لحظة التناسخ العجيب نحو القتل والتآمر، دار الإيواء الذي تحول إلى ماخور، المواجهة الصادمة بين الدين والمدنية، قصة الحب الكردية في عيد النوروز؛ قارب الموت المزدحم بدوره كسفينة نوح سوريّة؛ يكاد الدم يحفُّ بها من كل جهات الأرض الأربع، الملاكم ورجل الدين، الديوث والعاقر؛ الخادم والسيدة. متتالية لا منتهية من غثيانات منفلتة بوحشية على خشبة العرض؛ جعلها (قزق) تبدو كصورة مصغّرة عن بلادٍ ترقص في حفلة تعذيب جماعي؛ حيث لا يهدأ سعير المواجهة حتى يعود ويشتعل وفق ثنائيات متحاربة، سعير لا ينجو منه حتى الأموات في أكفانهم.
كوميديا الحق والحق الآخر! قدمها المخرج تامر العربيد هو الآخر ضمن صيغة الارتجال في عرضه” جسور- مسرح فواز الساجر” متكئاً على نص “قضية أنوف” للكاتبة المكسيكية الساخرة (ماروشا بيلالتا) فاستطاع فريق ممثلي هذا العرض صياغة مشروعهم الساخر من الحرب، معوّلين في ذلك على تقنية الارتجال الجماعي في كتابة شخصياتهم وتلوينها.
لقد كان الاقتراب من تجسيد الشخصية النمطية المسخية في “جسور” تجاوز ذلك عبر إسقاط حكاية المسرحية على المقتلة السورية؛ حيث أطل الجمهور من خلال شخصيات هذا العرض على بلدة خرافية اختلف أبناؤها من أجل أتفه الأسباب (أصحاب أنوف قصيرة وآخرين طويلة)! فاندلعت بينهم حروب عبثية مضحكة؛ قاربها الممثلون بأداء حار ولافت من خلال أسلوبي “الفارس” و” الغروتيسك” لتحضر المأساة والعنف والقتل والمؤامرات بين ذات البين في قالب طريف وكاريكاتوري.
الفنان جهاد سعد جاء أيضاً إلى خيار الورشة الفنية المفتوحة في عرضه “هستيريا” واضعاً ممثليه التسعة على “مسرح سعد الله ونوس” وجهاً لوجه مع امتحانات عدة للجسد واللياقة والصوت وحساسية التفاعل الجماعي على الخشبة؛ لتقدم هذه التجربة عروضها في المعهد العالي للفنون المسرحية بصدامية أداء جماعي جعلت الممثل منساقاً إلى نوعية خاصة من مسرح العنف الذي تتغلب فيه القدرة البدنية على صناعة الشخصية المسرحية؛ حيث استطاع “سعد” في صياغته الفنية الجديدة أن يحقق توريات مسرحية متعددة؛ رامزاً بقوة إلى حال العلاقات الإنسانية في ظل الحرب؛ وما ترتب من آثار نفسية قاسية لهذه الحرب على كل من الرجل والمرأة في ظل هيمنة نشرات الأخبار الدموية على وعي الناس وطبيعة سلوكهم اليومي.

لقطة من مسرحية تصحيح ألوان
مسرح تعدد أصوات
مجدداً خرج عبد المنعم عمايري هو الآخر عن كليشيهات المسرح السوري، متابعاً تجربته على الارتجال، والتي كان قد بدأها بعرض “سيليكون- 2010” آخذاً ممثليه نحو مفازات الممثل الحقيقية، فالنص هنا كان نتيجة لكتابة جماعية امتزجت فيها السيرة الذاتية بصيغة الجماعة، فعمايري أكد في تجربته هذه التي حملت عنوان “ليبيدو” حيوية المقترح وأحقيته كمحترف لانهائي، وكمسوّدة لا متناهية تتم كتابتها في كل مرة يصعد فيها الممثلون على الخشبة؛ فمن خلال إبرام تناص باهر بين نصوص “روميو وجولييت، ريتشارد الثالث، عطيل” لشكسبير، و كل من نصي “عربة اسمها الرغبة” لتينسي وليامز، و”رحلة الليل في النهار” ليوجين أونيل غزل الممثلون أطروحتهم الخاصة بهم، وتصوراتهم الشخصية حول مفهوم إعداد النص وبنائه نحو صيغة عرض احترافي، ليدفع عمايري ممثليه في (ليبيدو) إلى تجربة فعلية لاختبار قدراتهم الأدائية بطريقة تتيح لهم ديمقراطية شاسعة من خيارات الكتابة والتمثيل وإنتاج الأفعال عبر ينابيع الحياة والعيش ضد الحرب.
(سوريون بعنوان) ساق أيضاً تجربة تعدد الأصوات عن أشعار محمود درويش حيث حضر كل من: (السائق العصبيُّ، الجنديّ، الجامعيّ، السيّدةُ، الشاعر، والمسافر) شخصيات المسرحية التي اقتبسها عرض ( سوريون بعنوان- مسرح سعد الله ونوس) من أشعار محمود درويش؛ مطوعاً تعدد الأصوات (البوليفونية-Polyphonie) في نصوص: (لا تعتذر عمّا فعلت، الجدارية، مديح الظل العالي)، لتأتي كحوارات درامية قام بأدائها ممثلو فرقة المعهد العالي للفنون المسرحية؛ مرتكزين في هذه التجربة التي أشرف عليها كل من ( سامر عمران، ووسيم قزق، وشادي كيوان، ونورس عثمان) على إيحائية النص الشعري كخطاب أدبي ينطوي على حوارية الأنا والآخر.
بدوره قدم الفنان أسامة غنم نص (مجموعة الحيوانات الزجاجية) لكاتبها ( تينسي وليامز1911- 1983) محيلاً هذا النص إلى عرضٍ سوري بامتياز تحت عنوان (زجاج- مسرح فواز الساجر). مهارة عالية سجلها (مختبر دمشق المسرحي) الذي يشرف عليه (غنم) بنفسه منذ العام الأول للحرب؛ منهياً بتجربته الجديدة جدلية النص والعرض؛ لصالح فن الأداء وقدرة الممثل على اكتشاف نفسه من جديد على الخشبة؛ بعيداً عن عبودية هذا الممثل لخطة إخراجية صارمة، تعتبر الأدبي مادةً درامية بحتة؛ لا يجوز (درمتتها) إلا بما تمليه المؤشرات والإحالات النصية للكاتب؛ بل عبر الممثل الشريك والمنغمس حتى النهاية في اللعبة المسرحية.
فهم عميق ومؤثر ساقته النسخة السورية ( إنتاج -مواطنون فنانون- آفاق) من نص (الحيوانات الزجاجية) مطوعةً مفردات محلية ومفارقات نفسية أليمة لصالح بناء الشخصيات من جديد؛ انتزاعها من أربعينيات القرن الفائت؛ لزرعها في صراع مرير بين تفاهاتها اليومية وأحلامها المهدورة؛ حيث تصير هذه الشخصيات المتورّمة بثراء عالمها الداخلي؛ نسخةً عن عائلة سورية حزينة؛ عائلة أرادها مخرج العرض صورة عن بلادٍ بأكملها؛ فلم يكن من السهولة بمكان وبعد سبعة أشهر من البروفات المستمرة، الوصول إلى تلك المكابدات الدفينة التي قدّمها (زجاج) بحيوية عالية ورغبة وقلق شديدين لمقاربة الحطام الاجتماعي؛ دافعاً بشخصياته الأربعة إلى أمكنة خطيرة من الذاكرة الجماعية.
بسام كوسا خاض هو الآخر تجارب لافتة في مسرح الحرب السورية؛ كان أبرزها عرض “الكوميديا السوداء عن نص لـ (بيتر شافر) المسرحية التي كتبها رائد الغرابة الإنكليزية عام 1965؛ ليذهب عرض “الكوميديا السوداء” نحو نظرة غاية في الطرافة على حماقات مجموعة من الشخصيات التي تتحسس طريقها في غرفة داكنة الظلمة على مسرح الحمراء الدمشقي؛ حيث ترتطم الشخصيات بكم كبير من المواقف والمفارقات المضحكة بناء على انقطاع الكهرباء؛ الفرضية التي بنى عليها كاتب النص مواقفه الساخرة من كذب المثقفين وانهيار قيم الطبقة الوسطى وتحولهم من ذات إلى موضوع؛ فضلاً عن نفاق أصحاب المال وعلاقات الحب العابرة في فضاء غميضة من التخفي في العتمة.
تجربة سوف يعيدها (بسام كوسا) في مسرحية (تكرار) مقتبساً نص (المتحذلقات السخيفات) لموليير. العرض الذي جاهر عبر ثلاثة أزمنة بتعرية طبقة تجار الحرب ومحدثي النعمة، قدم ثلاث نسخ متتالية من رائعة الكاتب الفرنسي، مطلاً من خلالها على زمن النبلاء المزيفين في القرن السابع عشر، جنباً إلى جنب مع طبقة الباشاوات وأصحاب الطرابيش ورجال ونساء الصالونات الأدبية مطلع القرن العشرين في سورية، وصولاً إلى الزمن الراهن للبلاد، حيث صاغ مخرج العرض مع تسعة من ممثليه ما يقارب ثلاثية تاريخية عن زيف الطبقات الصاعدة في أوقات الأزمات، معللاً بذلك مدخله إلى العرض بمونولوج ألقته الممثلة (فرح دبيات) عن تشابه البشر وعدميتهم في كل الأزمنة، (فلا جديد تحت الشمس)!
(عرض البحر) مسرحية هي الأخرى مزجت العبث بالعنف حققها مجد فضة على خشبة سعد الله ونوس مع كل من الممثلين وسيم قزق و الفرزدق ديوب وياسر سلمون؛ ليطل (فضة) بذلك على أبرز نصوص الكاتب البولوني “سلافو مير مروجيك” من خلال نسخة سورية عمل عليها دراماتورجياً مع إبراهيم جمعة.
التجربة التي قدمها المعهد العالي للفنون المسرحية؛ بدت أقرب إلى مسرح اللامعقول من حيث اعتماد المخرج على أسلوب “الغروتيسك” فعكست قالباً عبثياً لشخصيات العرض متكئة على تقنيات مسرح الكلام، وذلك مع الإبقاء على هيكل النص الأصلي “في أعالي البحار” حيث نشاهد ثلاثة رجال يقطعون رحلتهم نحو المجهول فوق طوفٍ خشبي؛ وليكون الجمهور شاهداً على تباينات حادة في الشخصيات الثلاث؛ حيث هناك الانتهازي والرومانسي والعضلي الأهوج.
أنماط كشفت عبر حوارها المطوّل عن ماضيها قبل اختيارها للهجرة عن بلادها، وعن قصص حب وخيبات عاشتها الشخصيات الثلاث في عملها وعلاقاتها الحميمة وصدامها مع الآخر المختلف سياسياً عنها، كلاً حسب وجهة نظره لكن ومع نفاد المؤن على متن الطوف تتكشف نوازع بدائية لدى الرجال الثلاثة؛ وصولاً إلى فرضية التضحية بواحد منهم ليكون زاداً للرجلين الآخرين بدلاً من موت الجميع جوعاً في عرض البحر.
مسرحية (ستاتيكو) ناقشت هي الأخرى الحرب السورية بذكاء لافت، مستعينةً بنص لشادي دويعر وإعداد مخرجها الفنان جمال شقير الذي ذهب في تجربته الأولى إخراجياً نحو مناقشة ثقافة الانتحار عبر شخصية (حكم) التي لعبها سامر عمران إلى جانب كل من نوار يوسف و محمد حمادة، مسجلاً على شريط كاسيت وصيته الأخيرة قبل أن يتدخل كل من جاره وصديقته في تعطيل خطته للموت بعد لجوء الفتاة الشابة إلى شقته للاختباء عنده بعد عودة الأهل المفاجئة.
العرض الذي أنتجته مديرية المسارح والموسيقى حاز ثلاث جوائز في الدورة الأخيرة لمهرجان قرطاج، ذاهباً نحو حذافير الواقع في محاكاته للديكور الذي أنجزته سهى العلي عبر تصميمها لشقة تطل على شارع من أحياء دمشق ليلاً تموضع في عمق الخشبة، بينما حافظ على موقع لافت للوحة (الغارنيكا) لـ بيكاسو؛ مسقطاً الحرب الأهلية الإسبانية على الواقع السوري الراهن؛ في إشارة لما حمل بطل العرض على الانتحار.