بواسطة رباب هلال | يونيو 1, 2021 | غير مصنف
خلال عقد المأساة السوريّة المستمرة منذ 2011 صدرت عدّة مجموعات قصصيّة تركز على الحرب الراهنة، من بينها مجموعة حديثة (2020) بعنوان “فودكا مغشوشة.. بانتظار أن يأكلنا الزومبي” عن دار دال في دمشق، وهي الإصدار البكر للقاصّ زياد حسّون.
في هذه المجموعة القصصية، الزمان هو زمن الحرب، والمكان مدينة لا معارك طاحنة فيها، إنّما تقبع تحت لا رحمة القذائف. مدينة تنتشر فيها رائحة الموت والعبث، لدرجة أن: “أصبح الموت نمط حياة باعثاً للملل.” فلا أفراح أو أحزان حقيقيّة لقاطنيها، سواء الأصليّين أو الهاربين من جبهات الحرب.
هنا، يستبدّ الزمانُ بالمكان، أو يتداخلان فيما يمكن تسميته “الزمكان المستبدّ“! وهو ما شخّصه القاصّ بفنّيّة لافتة، راصداً تأثيره البالغ بالشخصيّات حيث يقودها ويحدّد مصائرها ويعطّلها عن فعل الحياة، فلا يبقى لها غير الانتظار!
إنّما انتظار زياد، لا يماثل أيّ انتظار عرفناه، فمثلاً، هو ليس انتظاراً خصباً بالأمل كانتظار بينلوب لأوليس، ولا هو شبيه بانتظار كفافيس المرير الساخر للبرابرة، رغم أنّ انتظار حسّون محقون بالسخرية السوداء، ومضمّخٌ بالعبثيّة، إنّما ليست كعبثية انتظار بيكيت، فهنا، لا غودو قد يأتي. و(قد) المستقبليّة تنتفي في السطور، لأنّ المستقبل توارى بعيداً في الخلف، واختفى كما يغيب البرابرة صنّاع الحرب وقوّادها، لسبب موضوعيّ، فانشغال القاصّ ينصبّ على تصوير إحداثاتهم المدمّرة. أو لسبب فنّيّ أيضاً، فقد جعل من الحرب مجرّد خلفيّة لحكاياته، فهو لا يوثّق لمجازرها وجنازاتها، ولا يوجّه اتهامات، أو يدبّج رسائل وخطابات ممجّة أو يختلق أملاً كاذباً إزاء واقع يسطع فيه اللا أمل!
هنا، لا فكرة لدى الشخصيّات عمّا تنتظره، إنّما يترجّحُ احتمالٌ واحدٌ: “ربّما أن تجتاحنا قطعان الزومبي وتأكلنا حتّى آخر أبله فينا، أو ربّما نتمكّن نحن من أكلهم اللعنة!… كم هو ميئوس من أمرنا إذاً!”
زمن الحرب هو الإطار الظاهر للقصص، لكنّ زمناً ثانياً موازياً يحضر بقوّة اليأس، وهو زمن اللحظة الراهنة، تفرّ إليه الشخصيّات من سطوة الزمن الأوّل. لم يعد من فسح للعيش سوى اللحظة الآنيّة، وقد نسيها المستقبل وتوارى خلفها بعيداً! ففي قصّة “فنجان قهوة ساخن” مثلاً، يقبع آدم في غرفته، تفصله عن الخارج نافذة وستارة لا يزيحها إلّا دويّ انفجار، فكما في قصّة “بائع القهوة الميت” البديعة: “هناك ملايين الاحتمالات في الخارج. إنّه مكان خطير للغاية.” وأفضل ما يفعله آدم الاستلقاء والنوم أو ما تيسّر له من ممارسة للجنس في هذه الغرفة، ممارسة باتت تخلو من المشاعر والأحاسيس! أو أنّه يهرب إلى المقاهي كما في قصّة “النادلة“، حيث سيكفيه الضجرُ بالتحديق في مؤخّرة النادلة، هذه التي يخمّن أنّها نازحة وتعمل بدافع العوز.
الشخصيّات خائفة، مأزومة مهزومة، مستسلمة، مستهترة، صامتة وهاربة. وأحياناً تبدو، كمصابة باكتئاب حادّ، في حالة دائمة من جلد الذاتّ، تتّهم نفسها بالحماقة والبلاهة وسوء الحظّ، يسيطر عليها شعورٌ خفيّ بالذنب، وكأنّما هي المسؤولة عن عدم موتها بعد.
تحضر شخصيّتان رئيستان، بالتناوب، بطلان لهذه القصّة أو تلك، هما الصديقان آدم وحازم، ويجتمعان في ثلاثيّة القصصيّة، مرقّمة بـ(1-2-3)، وردتْ تحت عنوان موحّد، ينضح بالسخرية: “فودكا مغشوشة من أجل حوار بنّاء“، باعد القاص في مواقعها بين النصوص، ليعزّز بعض طروحاته، فالتباعد بين البشر بات سمة في حياة الشخصيّات، يعزلها الموات عن التواصل والتفاعل المجتمعيّ، فلم يعد للأحاديث جدوى، حتّى أنّ لقاء الصديقين، في قصّة: “فودكا مغشوشة من أجل حوار بنّاء (3)”، حدث بعد غياب امتدّ لتسعة أشهر! ويبدأ القاص هذه القصّة بهذه العبارة: “ثمّ اجتمع الرفيقان مجدّداً في ذات الحانة…” ليكون لـ (ثمَّ) هذه شأنها الموضوعيّ في عطف هذه القصة على القصتين السابقتين من هذه الثلاثيّة، وأيضاً شأنها الفنّي في إبراز الفكرة الأساسيّة مجدّداً؛ التباعد/العزلة، وتأكيدها بتكثيف بالغ التأثير، تأثير يحدثه بامتياز حرفُ عطفٍ بمفرده!
يلتقي آدم وحازم، في الحانة ذاتها لشرب الفودكا، وفي صباحي القصّتين السابقتين للأخيرة، وكلّ منهما نام في منزله، يكتشفان إثر صداع رهيب أصابهما، أنّ الفودكا كانت مغشوشة جدّاً! ويختم الكاتب هاتين القصّتين بهامش موحّد، بشرحٍ لماهية “الفودكا المغشوشة” فهي: “كحول رديء معبّأ محلّيّاً في عبوات تقلّد ببراعة الماركات المعروفة عالميّاً. وتُعدّ هذه الظاهرة كإحدى النتائج البعيدة للحرب السوريّة.” كرّرها زياد لغايتين، فنّية وموضوعيّة، تاركاً للقارئ كشف المستور، والتقاط السخرية العميقة الكامنة خلفها بدهاءٍ فنّي! لكنّه لم يُلحق ذاك التعريف الماكر للفودكا المغشوشة بهامش القصّة الثالثة، لسبب مرصود للخاتمة. ففي سهرة الصديقين مع الفودكا، وحوارهما الذي لم يبتعد في عمقه العبثيّ عنه في القصّتين السابقتين، تتضح نتائج هذا الواقع العصيب الذي أبطل فعل الكلام، ووأدَ أيّ حوار بنّاء! فها هو آدم مستسلماً يقضي يوميّاته التافهة في زراعة نباتات الصبّار في أصص صغيرة، ترميزاً لتقزّم الصبر وضآلته! أو في مراقبة الفضاء والنجوم عبر منظار اشتراه خصّيصاً لذلك، ما قد يعني أنّ بشاعة مرعبة في الأسفل لا يطيقها النظرُ، ليعيد إلى ذهن القارئ ما ذكره الطفل متأفّفاً وهو يتسلّق الجدار العالي في قصّة “عن الحرب الباردة وخزان الماء“: “لا تنظر إلى الأسفل وسيكون كلّ شيء على ما يرام.” كما أنّ القاص يلمّح بذلك إلى دور الفلك والتنجيم الذي ينشط ويزدهر في واقع يسوده الوهن والإحباط والعجز، ليشكّل التنجيم المعادل الموضوعيّ لهذا الواقع!
وعلى عكس ما شهدنا في القصّتين السابقتين، لم ينفصل الصديقان لينام كلٌّ في منزله! بل لزما الحانة، فقد حدث أنّهما بعد جدال صاخب، اتفقا على شرب نخب الانتظار، وما كاد كأساهما يلتقيان حتى دمّر انفجار هائل المكان!
تتوارى سخرية حسّون السوداء وتظهر بفنيّة عذبة، تنبثق هنا وهناك، بصمت وهدوء، كانبثاق قطرات الماء من بين شقوق الصخر، وتسيل هنا وهناك بين الصفحات، وصولاً إلى آخرها. في وصف جثة حازم، كتب: “…كان عنقه ملويّاً بطريقة مضحكة، وعيناه المفتوحتان تنظران إلى آدم بمزيج من الذهول والبلاهة، وكأنّهما تحاولان قول شيء من قبيل: ألم أقل لك: هل نسيت أين نعيش؟“
لا تعتمد القصص حبكة التشويق التقليديّة، أو الخواتيمّ/ بؤرة التنوير، بل تسير في مسار سرديّ أفقيّ يتصاعد بطيئاً هنا أو هناك زاخراً بالتشويق، وببراعة التصريح والتورية، بتوصيف دواخل الشخصيّات، العفويّة المفعمة بالصدق، واللغة المقتصدة البسيطة بأناقة، فلا تكاد تشغل القارئ، يسوقها أسلوب سرديّ سلس، رشيق، وتكثيف مدهش.
يدفع حسّون بقارئه لاستعادة مضامين القصص كلّها، ليكتشف الفنّيّة المخاتلة في اعتماد القاصّ خلفيّة مزدوجة لقصصه، فهو يصرّح بخلفيّة الحرب، ويواري خلفية اللحظة الراهنة جاعلاً منها أرضيّة مكينة بأغوار صادمة ثرّة تتشابك فوقها دلالات القصص برمّتها وتتداخل بحذاقة لصياغة مبنىً قصصيٍّ فنّيّ جميل.
تُباغت قصص زياد حسّون القارئَ وتغويه للمتابعة، ليكتشف متأخّراً أنّها لا تسلّم نفسَها له بسهولة، وأنّ مقولاتها إنّما هي رؤية ورؤيا، معاً، وقد انكتبت برمّتها لتوضيح ما قاله آدم، في آخر القصص: “حتى ونحن نعيش هنا، الأمر ليس أين نعيش، بل كيف نعيش.”
وإذاً، لم ينج أيٌّ منّا، نحن السوريّين، من كوارث الحرب، أينما سكنّا في هذه البلاد اليباب!
بواسطة Maha Rabah | مايو 31, 2021 | Reports, غير مصنف
أنهى أحمد العمر دوامه في معهد “البيادر” الخاص في مدينة معرة مصرين، لينتقل الآن إلى “المعهد التخصصي” في بلدة كللي شمال ادلب ليدرس مادة الفيزياء والكيمياء لطلاب الثانوية العامة الفرع العلمي.
أحمد كما المئات من الطلاب، اتجهوا للدراسة في المعاهد الخاصة في الشمال السوري بالفترة الأخيرة، نتيجة تدهور العملية التعليمية بسبب ظروف الحرب، إذ تساهم هذه المعاهد برفد التعليم، ويدرّس فيها العديد من الأساتذة المعروفين في مختلف المواد، أغلبهم من النازحين.
منهم المدرس أحمد العمر، الذي نزح من مدينة حلب بسبب استيلاء قوات النظام عليها عام 2016، يقول أحمد :“ بعد أن انقطع الدعم المادي عن التعليم، لم يبق رواتب للمدارس العامة والحكومية بسبب الحرب، فقررت أنا ومجموعة من زملائي المدرسين أن ننشئ معهداً لتعليم المراحل الأساسية كالشهادة الإعدادية والثانوية، واعتمدنا فيها على تأسيس الطالب بالمعلومات الأساسية إضافة لمنهاجه الجديد كي يعوض فترات الانقطاع عن المدرسة ”
تتوزع هذه المعاهد على كافة المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، فبحسب دائرة التربية والتعليم يوجد في إدلب نحو مائتي معهد خاص تم ترخيصها من قبل مديرية التربية، إضافة لخمسة وعشرين معهدا لاتزال قيد الترخيص، و”نظرا لأن هذه المعاهد تحظى بقبول واسع، فقد تم تقديم وتسهيل حصولها على التراخيص المطلوبة من قبل مديرية التربية” بحسب تصريح المديرية.
وبالإضافة لمساعدة الطلاب، ساهمت المعاهد الخاصة بخلق فرص عمل لعشرات المدرسين، يقول المدرس جمال وهو مدرس لمادة الرياضيات من مدينة الدانا أنه تعاقد مع عدة معاهد خاصة بآن واحد، محاولة منه لإيجاد عمل يؤمن من خلاله مصروفاً لعائلته، ويوضح جمال “ان ازدياد أعداد المعاهد الخاصة نابع أساسا من رغبة الأهالي بتعويض الفقد التعليمي لأولادهم، وتحسين ظروفهم التعليمية التي تضررت بسبب الحرب”.
ولا تقتصر الدراسة في هذه المعاهد على ميسوري الحال، فالبرغم من أن هيا، 16عاما، تقيم مع عائلتها في مخيم للنازحين إلا أن فقر الحال لم يمنع والديها من تسجيلها في المعهد الخاص، فقد باعت أمها ما تملكه من مصاغ لتسديد أقساط المعهد.
وتختلف اقساط التسجيل بين معهد وآخر بحسب عدد الطلاب، وتجهيزات كل معهد والميزات التي يمنحها للطلبة، بحسب مدير معهد التخصصي في بلدة كللي الأستاذ مصعب عربو، وتبلغ رسوم التسجيل لمعهده ب 175 دولاراً لطلاب البكلوريا العلمي و 150دولاراً لطلاب البكلوريا الأدبي و100دولار لطلاب الشهادة الاعدادية.
ويوضح عربو بأن “هذه الأقساط تستعمل لتغطية أجار المعهد، وكلفة تجهيزه وأجور المدرسين والدعم اللوجستي اللازم للعملية التعليمية”، وتتقاضى المعاهد الخاصة رسوم التسجيل مباشرة لكن معاهد أخرى تقبل بتقسيطها على أشهر الدراسة تسهيلا لدفع الرسوم.
تقول هبه وهي طالبة بكلوريا إن الذي شجعها على التسجيل في معهد كللي الخاص “هو القسط المريح الذي يتوزع على أشهر حيث تدفع 17 دولاراً كل شهر فقط”.
ويختلف عدد الطلاب بين معهد وآخر بحسب القدرة الإستيعابية للمعهد، وحسب مهارة المدرسين المشرفين عليه، حيث يتفاخر الأستاذ عمر بالعدد الكبير من الطلاب الذين يدرسهم، ويرجع هذا لسمعته الحسنة في مهارته لإيصال المعلومات إلى طلابه بشكل مبسط، ويقول “أقوم بتدريس مادتي الفيزياء والكيمياء لأربع شعب في معهد واحد ناهيك عن المعاهد الأخرى التي أتعاقد معها للتدريس”.
اضطرت بعض المعاهد إلى النزوح بكوادرها مع الأهالي بعد الهجمة على ريف إدلب الجنوبي، وسيطرة النظام على أجزاء منها، أحمد تعتاع مدير معهد الهدى في كفرنبل يقول :“ بالرغم من أننا نقلنا مقر معهدنا إلى إدلب المدينة إلا أن الإقبال عليه لايزال ممتازا، خاصة وأننا تعاقدنا مع كوادر تدريسية جيدة مما شجع الطلاب على الإقبال للتسجيل”، ويوضح تعتاع أن السبب الرئيسي الذي يقف وراء إقبال الطلاب على هذه المعاهد هو : أسلوبها وطريقتها بالتدريس الذي يختلف عن اسلوب المدارس العامة، حيث تبدأ دوامها قبل العام الدراسي، وتقوم بمراجعة المعلومات السابقة قبل البدء بالمنهاج الجديد، مما يساعد الطالب على فهم واستيعاب المعلومات الجديدة.
كما يجري التعتاع وزملاؤه اختبارات مستمرة، لمراقبة استيعاب الطلاب للدروس قبل نهاية العام الدراسي، ويجري لهم امتحانا رئيسيا مشابها للامتحان العام الوزاري، بهدف إدخال الطلاب لأجواء الامتحان، “ليعرف الطالب مستواه بشكل أفضل مما يدفعه لمضاعفة جهده” بحسب قوله
ولتشجيع الطلاب تقوم إدارات هذه المعاهد بتكريم المتفوقين من الطلاب، فقد تم تكريم 31 طالبا عام 2020، من بين المكرمين طلاب حصلوا على المجموع التام أو نقصتهم درجة واحد في معهد “الهدى” مثل عائشة خطيب، من بلدة كللي وهي تدرس في جامعة إدلب، التي تمكنت بفضل “المعهد التخصصي” من تحقيق حلمها بدخول كلية الطب البشري.
بواسطة طارق علي | مايو 28, 2021 | غير مصنف
من صاحب شركة رائدة في صناعة الديكور ومعدات المطابخ إلى عامل في سوق الهال، ومن ثم صاحب بسطة دخان، إلى مستأجر لمحل صغير بعد أن تمكن من جني مبلغ صغير نتيجة تنقله في عدة أعمال، مما مكنّه من جمع المبلغ بالتشارك مع صديق له لافتتاح محل صغير لبيع زينة الهواتف النقالة، هذا ملخص رحلة زين مع الحرب.
الرحلة التي مرت بعشرات المطبات، أولها تدمير شركته في عام 2011 في حي دير بعلبة الحمصي وكذلك منزله، بعيد اندلاع المعارك هناك، ومن ثم ليبدأ رحلة حياته من جديد، الرحلة التي اعتقد أنه انتهى من بناء مقوماتها يوم عاد من الخليج إلى سوريا في عام 2007. لتحول الحرب مستقبله الذي كان ينمو ويزدهر إلى أثر، فقد حطمت الحرب أحلامه وأعادته تحت خط الصفر.
كان الاقتصاد السوري ينمو بوتيرة جيدة نسبياً، مما جعل الاستثمار في المشاريع الصغرى والصغيرة والمتوسطة فعالاً، أما الحديث عن المشاريع الاستثمارية الضخمة، فهذا بحث آخر وهو شائك للغاية، فرجال أعمال ما قبل الحرب كانوا بمعظمهم شركاء بالقوة في أي مشروع جديد في بلدهم، أما بعد الحرب، فلم يختلف الحال كثيراً، فالأثرياء الجدد حلوا محل القدامى، وبات لهم من كل استثمار نصيب.
لا يغْلَبُ الصحفي السوري إذا أراد الحديث عن قصص الناس في الحرب، بل إنّ هناك مقولةً يتداولها الصحفيون بكثرة خلال تحضيرهم لإعداد فكرة ما، مقولةٌ تنص على أنه تحت كل حجر في بلادهم ثمة قصة، وعلى بساطة القول، إلا أنّه يخفي ما يخفي خلفه من قفز فوق حال الوجع الذي صار عنواناً لمشهدية تتكرر في كل مدينة، كل حي، وداخل كل منزل أيضاً، فهل ثمة سوري لم تتغير حياته في سنوات الحرب الطويلة والمريرة؟
أحلام مُدمّرة..
تقول سماح، وهي مهندسة مدنية في دمشق إنها لم تكن تتخيل أن يصل بلدها إلى ما وصل إليه، و تضيف: “كانت أحلامي كبيرة حين تخرجت من الجامعة، وظيفة دولة براتب ممتاز يساوي بضع مئات من الدولار، وبدأت أخطط كيف سأشتري سيارة بالتقسيط، وكذلك منزلاً، وكيف وكيف وكيف، ولكن الحرب عاجلتنا وسرقت طموحنا وآمالنا، اليوم أذهب لعملي وأعود بباصات النقل الداخلي، راتبي ينتهي في أوائل أيام كل شهر، كنت أسعى لأكون علامةً فارقة في مجتمعي، وكنت أنظر للمجد الذي ينتظرني، وكيف أنّ ابنة المزارع الفقير ستتطور حياتها بشكل لافت وسريع، ولكن، الآن، صغرت أحلامي كثيراً، صار حلمي أن أعثر على مقعد في باص النقل الداخلي الذي أستقله إلى مكان عملي”.
حلمت منال ذات العشرين عاماً دائماً أن تكمل تعليمها، ولا زالت تحلم، لولا أنها الآن أم لطفلين، منال التي تربي أطفالها وترفض الاعتراف أنّها صارت أما، إذ تعتبر أنها فجأة وجدت نفسها بين أحضان رجل يكبرها بعشرين عاماً، الفتاة المنحدرة من دوما زوّجها أهلها بالإكراه إبان سيطرة جيش الإسلام على الغوطة الشرقية لقريب والدها، “كنت متفوقةً في دراستي، وكنت الأولى على مدرستي الابتدائية، ولكن مع تقدم الحرب انقطعتُ عن الدراسة مكرهةً، وفجأة وجدت نفسي متزوجة من رجل لا أحبه، أنا أساساً لم أكن أعرف ما هو الحب، كيف لفتاة صغيرة أن تعرف ما هو الحب والزواج والارتباط، أنا الطفلة التي كانت كلما سألتها معلمتها ماذا تريدين أن تصبحي حين تكبرين كنت أقول بكل ثقة طبيبة، طبيبة، حقاً كنت أقول ذلك، أما الآن فكل شيء انتهى”، تقول منال.
المتفوق المتنازل عن حلمه
أما سليمان حامد، مهندس الميكانيك الذي تخرج من جامعته بدرجة امتياز فيقول “كنت أنتظر بفارغ الصبر أن أتخرج من الجامعة وأسافر إلى أوروبا لأعمل هناك، ولكن فجأة وجدت أن طريقي إلى أوروبا سيكون عبر (البلم)، وغالباً سأغرق في طريقي البحري تهريباً إلى اليونان، الآن أنا بأفضل حال، لأنني تصالحت مع فكرة أني صرت لاشيئاً، وأن مستقبلي انتهى، الآن أفكر كل يوم لأي شركة منتجات غذائية سأقدم سيرتي الذاتية الفارغة من الخبرة العملية ليوظفوني بمئة ألف ليرة سورية، في اختصاص غير اختصاصي حكماً، ربما محاسباً، وربما عاملاً، اليأس يفعل أكثر من ذلك”.
شوفينية التفرد بالألم
يبدو الإيجاز أكثر الأمور منطقية في الحديث عما تغير في حياة السوريين خلال الحرب، الأجدى أن نقول: ما الذي لم يتغير؟. الحرب لم تتسبب الخسارات الجسدية وحسب، بل أيضاً خسارة الأمنيات والأحلام والآمال، فقتل الحلم هو ذاك النوع من القتل الذي تصير حياة الأجيال المتواترة بعده أكثر تعقيداً و حدةً، فالدم يجيء بالدم، والكره بالكره، والحزن بالحزن، والفقر بالفقر، كل شيء يجيء بمرادفه، إلا الماضي –وإن كان جميلا- وهذا عينه موضع شك، لكنه على الأقل أفضل من الحاضر، إلا أنّه لن يجيء بالمستقبل المنشود.
الأسى الذي عاشه السوريون في عشرة أعوام، لا يبالغون حين يقولون عنه إنّه ما مر شبيه له في التاريخ الحديث، فالحرب تخلق الشوفينية، وهي شوفينية سلبية بالتأكيد، إنها من النوع الذي يتآمر مع الحاضر على الناس، على قاعدة أنّ ما لم تخربه الحرب ستخربه آثارها النفسية الهائلة في النفوس.
السوري بات سقف طموحه جرة غاز، عشرين ليتراً من البينزين، مئة ليتر من المازوت، ربطة خبز، صاحب بقالية لا ينصب عليه، تأمين قوت عياله، وكذا صارت أحلام الناس في البلاد، حقيقةً هي كوابيس، كوابيس يتمنون أن يصحوا منها ليجدوا أنفسهم في عام 2010.
بواسطة لامار اركندي | مايو 19, 2021 | Culture, غير مصنف
تدور أحداث الفيلم السوري “رضا” وفقاً للمخرج السوري الكردي ياسر حمزة في قرية “سيكركى” في ريف مدينة القامشلي شمال سوريا. يحمل الفيلم اسم بطلته رضا وهي امرأة في الخمسين من العمر لينقل لوحة مأساة تمثل وجهاً من وجوه الحرب السورية وأزمتها.
وفي حديث خاص، يقول المخرج حمزة إن رضا أرملة عاشت بعد وفاة أمها وخالها بمفردها في كوخ طيني متهالك الجدران على أطراف قريتها وحيدة لا تملك أوراقاً ثبوتية في السجلات المدنية للدولة.
خاضت رضا معترك الحياة وكونت عائلتها الخاصة، فكانوا سندها في رحلة الصراع مع الوحدة فصنعت دمية بنفسها أسمتها زوزان وضمت لأسرتها الجديدة كلباً أسمته صورو إضافة إلى قطتها المدللة وملهمة صبرها عزيزة.
ولتأمين لقمة عيشها، يوضح حمزة أن رضا اعتمدت على دجاجاتها وبيع بيضهم لكسب دخل مادي إضافة لتوفير قوت يومي لنفسها ولعائلتها الجديدة.
تكريم عربي
وفي السابع من شهر نيسان (إبريل) الفائت، أعلنت إدارة مهرجان البحرين السينمائي أسماء الفائزين في فئات مسابقتها التي أقيمت بصورة استثنائية راعت الاجراءات الاحترازية وضوابط التباعد الاجتماعي بسبب تفشي فيروس كوفيد19. ومن أصل (450) وافقت إدارة المهرجان على مشاركة (92) فيلماً في الفئات الخمس للمسابقة وهي الأفلام الروائية القصيرة، والوثائقية، وأفلام التحريك، وأفلام المرأة إضافة الى أفلام الطلبة.
ورشح فيلم رضا من بين 20 فيلماً للقائمة القصيرة للجائزة التي شهدت تنافساً قوياً للمستوى العالي للأفلام المشاركة من حيث مضامينها وجودتها التصويرية. وبين ياسر حمزة أنه المخرج السوري الوحيد الذي شارك في قائمة الأفلام الوثائقية التي بلغت 33 فيلماً قدمت من 18 دولة.
وكرم مهرجان البحرين السينمائي في دورته الأولى المخرج السوري الكردي ياسر حمزة بجائزة (دورة فريد رمضان) التقديرية والتي حملت اسم الروائي والسيناريست البحريني الراحل فريد رمضان تكريماً لدوره الرائد في الإنتاج السينمائي، وتقديراً لجهوده في تقديم نصوص الأفلام السينمائية إضافة لدعمه خلال مسيرته الفنية كجزء من دعم الطاقات السينمائية الواعدة في البحرين والعالم العربي.
وحاز فيلم “رضا” على شهادة تقدير من إدارة المهرجان قسم الأفلام الوثائقية تكريماً للمستوى المتقدم لتقنية الصورة وللقفزة التكنولوجية المميزة التي ظهرت على مستوى الصورة والإخراج ونوعية الإنتاج ولقيمة قصة الفيلم الإنسانية.
وضمت لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية للمهرجان: المخرجة الإمارتية “نجوم الغانم”، والناقد السينمائي البحريني “حسن حداد”، والأستاذ في جامعة البحرين “محمد السيد”.
مهرجانات وتقديرات
ونوه المخرج الشاب إلى أن فيلم “رضا” شارك في العديد من المهرجات العربية والدولية ومنها: مهرجان النهج السينمائي بالعراق، حيث رشح للقائمة القصيرة لأفضل فيلم وثائقي، و مهرجان “بي يوند” الدولي للأفلام القصيرة.
إضافة لذلك نال ياسر حمزة شهادة تكريم من مهرجان كركوك بدورته الثانية لعام 2021 تقديراً لمسيرته المهنية الممتدة لأكثر من 25 عاماً.
وعن آخر أعماله تحدث ياسر حمزة لسكاي نيوز عن إنهائه لفيلم تسجيلي بعنوان “أميرة” بالتعاون مع المخرجة رنا شاهين ويعمل حالياً على فيلم تسجيلي آخر بعنوان “لن ترى” مع المخرج أحمد عرفات.
من هو ياسر حمزة
ينحدر المخرج ياسر حمزة 43 عاماً من مدينة القامشلي. وكان قد بدأ مسيرته المهنية في مجال الإعلاموالاخراج كمصمم لوحات إعلانية للمحال التجارية ومصوراً فوتوغرافياً. وبعد إنهاء الخدمة العسكرية انتقل حمزة إلى دمشق وعمل بصفة مونتيراً ومصوراً مع شركة مرح للإنتاج الفني لأربع سنوات، قبل انتقاله بصفة مدير فني ومونتير ومساعد مخرج في شركة شيخاني للإنتاج الفني.
وعمل حمزة أيضاً مع العديد من الأقنية العربية والمخرجين العرب. ومن الأعمال الفنية التي شارك بها: مسلسل رحلة المليون للمخرج الأردني سالم الكردي و لقناة أبو ظبي؛ ومسلسل هوامير الصحراء بجزئية الثاني والثالث لقناة روتانا للمخرج أيمن شيخاني؛ ومسلسل “جاري يا حمودة” مع المخرج وليد العاقل لقناة (MBC). هذا إضافة لمسلسلات عديدة أخرى منها: بيني وبينك (فكاهي)، ومسلسل انباع الوطن (سياسي كوميدي)، ومسلسل الساكنات في قلوبنا (دراما)، وغيرها.
كما أخرج العديد من الكليبات العربية لفنانين من أمثال عامر الغريب، لبنى كمر، حسام طه، وغيرهم.
ويذكر أيضاً أن ياسر حمزة أخرج أفلاماً وثائقية عدة إضافة لفيلم “رضا” وهي “على عتبة الطفولة”، “وعد”، و”زوارق في الظلام”.
بواسطة Noha Alhasan | مايو 17, 2021 | Cost of War, غير مصنف
الفقر وانعدام الأمن والاستقرار هو ما دفع أبو عمر (٤٥عاماً) من معرة النعمان لتزويج ابنته نسرين (١٧عاماً) من أول متقدم لخطبتها، وكان مقاتلاً مهاجراً يعمل ضمن أحد الفصائل العسكرية في المنطقة، لكن هذا الزواج لم يدم طويلاً فقد عادت نسرين إلى بيت أهلها بعد عام من زواجها بصحبة طفلها وذلك بعد أن انتقل زوجها للقتال على إحدى جبهات ريف حلب، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره بشكل نهائي، وقد تعددت الروايات بين مقتله وعودته إلى بلده.
نسرين واحدة من نساء كثيرات في إدلب وريفها وقعن ضحية الزواج المجهول من مقاتلين مهاجرين وأجانب، حيث بدأت تنتشر ظاهرة زواج النساء السوريات من المقاتلين الأجانب الذين بدأوا بالتوافد إلى سوريا منذ بداية النزاع للمشاركة في القتال، وانضموا إلى الفصائل الإسلامية المسلحة المقاتلة في المنطقة وهؤلاء المقاتلون سرعان مابحثوا عن الزواج بعد شعورهم بأن بقاءهم في سوريا سيستمر لسنوات طويلة، لتقع كثير من النساء ضحايا الظروف الصعبة بعد مقتل الزوج أو اختفائه، ما يؤدي إلى أن تعيش هؤلاء النساء مع الأطفال الناتجين عن هكذا زيجات.
حياة اجتماعية واقتصادية بالغة الصعوبة والتعقيد
أجبرت الظروف الثلاثينية رزان العبد من بلدة بنش على القبول بالزواج من أحد المقاتلين المهاجرين، فقد تقطعت بها السبل بعد وفاة والديها في غارة جوية، وبقيت وحيدة تتنقل بين بيوت إخوتها، وتقول رزان عن تجربتها: “كنت دائما أشعر بأنني عالة على الجميع، وبسبب تقدمي بالسن وافقت على الزواج بمقاتل يعمل ضمن فصيل هيئة تحرير الشام ويكنى بأبي طلحة الليبي وهذا كل ما أعرفه عنه، لأنه كان دائماً يتهرب من أي سؤال يخص تفاصيل حياته، ويغضب إذا سألته عن نسبه واسمه الحقيقي متذرعاً بأسباب أمنية، فكنتُ أخفي انزعاجي كونه كان يعاملني معاملة طيبة، استمر زواجنا قرابة العامين والنصف رزقت خلالها بطفلين.“
تصمت رزان قليلاً ثم تتابع بغصة : “خرج أبي طلحة في إحدى المعارك ليأتيني بعدها خبر وفاته، وجدتُ نفسي وحيدة مع طفلين مجهولي النسب، فبدأت أعمل في الأراضي الزراعية طوال النهار من أجل تأمين قوتي وقوة أطفالي الذين ليس لديهم معيل.”
تبين رزان بأنها دفعت ثمن قبولها بهذا الزواج الذي دمر حياتها، وأكثر ما يؤلمها ويشكل الهاجس الأكبر في حياتها هما طفلاها اللذان سيحرمان من جميع الحقوق المدنية في التعليم والتملك والرعاية الطبية والهوية كونهما دون نسب أو أوراق ثبوتية.
وإذا كانت رزان هي من وافقت على هذا الزواج بمحض إرادتها، فإن معظم حالات الزواج التي جرت في الشمال السوري لم تكن فيها الفتاة صاحبة القرار في اختيار شريك حياتها، حيث يقوم الأهل بتزويج بناتهم حتى دون أخذ رأيهن في كثير من الأحيان وهو ماجرى مع القاصر رولا (١٦عاماً) التي أجبرها والدها على ترك المدرسة بعد نزوحهم من بلدتهم خان السبل وإقامتهم في خيمة قماشية في بلدة كفرلوسين على الحدود السورية التركية. قام والد رولا بتزويجها من أحد أصدقاء أخيها المجاهدين ضمن صفوف جبهة النصرة وهو رجل سعودي ويكبرها بخمسة وعشرين عاماً، وذلك للتخلص من مصروفها والستر عليها في ظل حالة الفوضى والفلتان الأمني الذي يسيطر على المنطقة، ولاعتقاد الوالد أن هذا الزوج سيضمن لابنته حياة مرفهة، خاصةً وأن العريس السعودي رجل غني وراح يغدق عليها وعلى أهلها بالأموال والهدايا. وظن والد رولا أيضاًبأن وجود هذا العريس بقربها وقرب أهلها سيؤمن لهم الحماية والسلطة في مجتمعهم، إلا أن اعتقاداته كلها كانت خاطئة، فبعد الزواج راح الزوج يعامله رولا معاملة قاسية، فكان متشدداً في كل الأمور، وألزمها بوضع النقاب، وحرمها من الخروج من المنزل أو حتى زيارة أهلها، وكان يعنفها باستمرار لصغر سنها وجهلها بمسؤوليات الزوج والبيت، وفوق ذلك كله طلقها بعد أن أنجبت منه طفلة، وعادت إلى خيمة أهلها مكسورة الخاطر مع طفلة مجهولة النسب ومحرومة الحقوق.
حملة “مين زوجك؟”
وردا على انتشار هذه الظاهرة أطلق ناشطون في إدلب حملة “مين زوجك؟” في عام ٢٠١٨ بهدف توعية النساء بمخاطر هذه الزيجات عليهن وعلى أطفالهن، وذلك من خلال فرق عمل موزعة على القرى والبلدات.
وتتنوع الأسباب والدوافع التي تحتم على الأهالي القبول بتزويج بناتهم مثل هذه الزيجات وقد أوجزتها الخبيرة الاجتماعية هدى العوض (٤٧عاماً)من مدينة إدلب بالقول: “أهم تلك الأسباب تكمن في الجهل وقلة الوعي، بالإضافة للفقر المدقع والحالة الاقتصادية السيئة التي تعصف بالأهالي، فضلاً عن عزوف معظم الشباب السوريين عن الزواج لما فيه من تكاليف باهظة في ظل البطالة وصعوبة تأمين فرص العمل ما أجبر معظم الشباب على الهجرة بحثاً عن الأمان والرزق. وهو ما يفسر كثرة هذه الزيجات التي تنتهي بالفشل غالباً أو بالطلاق أو مقتل الزوج أو تركه لعائلته والانتقال إلى أماكن أخرى بحكم تنقل تنظيمه المستمر، أو عودته إلى بلده الأصلي تاركاً خلفه عائلته وأطفاله، لتبدأ بعدها رحلة الضياع.
ويشرح المحامي نضال العمر (٤٠عاماً) من معرة مصرين في حديث خاص الأثر القانوني المترتب على زواج السورية من أجنبي بقوله: “الزواج يجب أن يكون مبنياً على الوضوح ومعظم هذه الزيجات تتم خارج نطاق المحاكم الشرعية، وغالباً دون أن يفصح المهاجر عن اسمه الحقيقي، والاكتفاء بالكنى والألقاب والأسماء المستعارة، وهذا الغموض يعتبر من محرمات الشريعة الإسلامية ومن مفسدات الزواج.”
وأكد العمر بأن المحاكم الشرعية المنتشرة في الشمال السوري لا تعترف بالزواج من أشخاص مجهولي الهوية، ولا تقر بتثبيت نسب الأطفال، الأمر الذي يترتب عليه حرمان هؤلاء الأطفال من أبسط حقوقهم وهي الجنسية والنسب والعائلة، ما ينذر بأنهم سيواجهون حياة صعبة بكل ما تعنيه الكلمة.
ويقترح المحامي كحل لهؤلاء إقرار قانون يسمح للأم السورية بمنح جنسيتها لطفلها وهو ما لم يحصل حتى اللحظة.
ووفقا لإحصائيات حملة “مين زوجك” فقد بلغ عدد النساء المتزوجات من مقاتلين أجانب حتى آذار ٢٠١٨حوالي ١٧٣٥سيدة، ونتجت زيجات ما يقارب ١١٢٤ امرأة من هؤلاء النساء عن أطفال والذين يُقدر عددهم بحوالي ١٨٢٦ طفلاً.
بواسطة Mouaz Laham | مايو 13, 2021 | Cost of War, Culture, غير مصنف
الساعة الثانية ظهراً، الشمس كرة من نحاس أحمر، نسمة خفيفة غربية، والسيارات ليست كثيرة في هذا اليوم على طريق المطار. ذلك ما لاحظه محمد من موقعه في الصف الأخير من المدرج.
على منصة الشرف المسقوفة في الملعب البلدي الصغير في جرمانا، جلس عشرات الأشخاص، رجال نساء وأطفال. لم تكن هناك أية مباراة، والأطفال يقفزون كالكرات فوق العشب الصناعيّ على أرضية الملعب. الكبار كانوا ساهمين يحدقون في الفراغ، ويراقبون المشهد ببياض عيونهم، ويتدربون على الانتظار.
محمد، ممسك جواله القديم بيد، وسيجارة الحمراء الطويلة ترفض أن تنتهي بين أصابع يده الأخرى، وعيناه لم تعد تريا إلا أمواجاً سائلة، وأشياء ضاعت معالمها في النظرة الرطبة.
كانوا من الذين خرجوا من بيوتهم، ونزحوا إلى جرمانا. ظنوا أن القصة مسألة أيام، وأصبح الوقت من المطاط. تم تجميعهم وإيواءهم مؤقتاً، تحت مدرجات منصة الشرف في الملعب، حيث توجد غرف للكوادر الرياضية، وغرف لتبديل ملابس اللاعبين وحمامات مشتركة. الآن، أصبحوا هم الكادر كاملاً، وهم وحدهم اللاعبون الأساسيون. وأصبحت كلمة، مؤقتاً، الكلمة الأثقل وزناً في ضمائرهم المثقلة.
فتح محمد جواله، تأكد من وجود تغطية، وأشعل سيجارة أخرى. رن الهاتف رنة قصيرة، نظر باتجاه أطفاله فوق أرض الملعب. إنها زوجته تذكره بأن لا ينسى جلب حصتهم من الطعام.
الساعة الثالثة بعد الظهر، الشمس غيرت قليلاً من زاويتها، أصبح ظل المنصة أكثر طولاً، إلا أن الأطفال ما زالوا في الشمس. إنها ساعة توزيع الطعام. اجتمع الأطفال والنساء وبعض الرجال، حاملين قدورَهم، وصفائح الماء. كان غداء اليوم مؤلفاً من الأرز، حساء الفاصولياء مع البندورة، وربطة خبز.
أعطى محمد حصتهم من الطعام لزوجته، وعاد إلى المدرجات، يدخن ويتابع عد السيارات المارة على طريق المطار غير البعيد.
نزح محمد وزوجته وأطفاله الثلاثة، من قرية ليست ببعيدة عن جرمانا. وفكر لو أن المدرجات أعلى قليلاً، لاستطاع رؤيتها. غير أن المدرجات كانت أقل ارتفاعاً من مخيلته. كان يمتلك محلاً لتصليح الأدوات الكهربائية والإلكترونية، وعندما خرجوا فجراً من المنزل، بقي رجاء زوجته معلقاً في رأسه إلى الآن:
” عدني بأننا سنعود”
في تلك الليلة، كان صوت تكسير الزجاج في بيته يغطي على صوت الرصاص في الخارج. أخذت زوجته بتكسير كل الأواني الزجاجية، وتقلب كل ما تطاله يداها، كانت تصرخ، تبكي، وتكسر. ومع كل صحن يتفتت، تتفتت هي، إلى ملايين القطع. وعندما رجاها محمد بألا تفعل ذلك، قالت:
“لا علاقة لك، اتركني أفعل ما أشاء”
” لكنكِ سترعبين الأطفال النائمين”
“ألم يرتعبوا إلى الآن؟ وهل ناموا أصلاً؟ لقد قضوا الليل وهم يجفلون من صوت القذائف والرصاص”
” أرجوكِ، توقفي عن التكسير”
” أريد أن أحطم كلّ شيء، هل تسمع؟ كلَّ شيء. أليست صحوني، كؤوسي؟ أليس هذا جهاز عرسي؟ أتذكّر كل قطعة، كيف وفرتُ ثمنها واشتريتها. وكيف لمعتها ووضعتها في الفيترينة. ألا تذكر أنت؟..أنا أتذكر، كل قطعة لي معها قصة: الستائر، الصمديات، الطربيزات، طقم السفرة والكراسي، السجادة وحتى نزّالات الطعام. لي معهنَّ قصة: ثيابي، ثياب أولادي، ثيابك. قصة ماذا؟ قصة حب إذا شئتَ. والآن يريدون منّا أن نخلي البيت، بيتنا، وأن نخرج بثيابنا فقط. أريد أن أكسر كلَّ شيء، اريد أن أمزق حتى الثياب”
” أرجوك، يكفي”، وكان يبكي
“هل تصرخ فيَّ؟”
” أصرخ فيكِ ، فيّ، وفي كل العالم. لا أتذكر!! بلى أتذكر، ماذا تريدين مني أن أفعل؟ أحطم الجدران، أحرق الأبواب والنوافذ. أليسَ هذا بيتنا، بيتي، بيتكِ، بيت أطفالنا. هل أهدمه بيديّ؟”
تضحك زوجته بهستيريا وتقول:
” بيتنا؟ بيتي؟ بيتك؟ بيت الأطفال؟ والآن لم يعد كذلك”
“إنه بيتنا، وسيبقى، وسوف نعود إليه، ليست لنا علاقة بأي أحد، ولم نرتكب أي خطأ، ولن نذهب بعيداً. مسألة أيام فقط، وسيبقى كل شيء على حاله. ألا ترين هذه الشراشف؟ سأغطي بها كل الأثاث، والأجهزة، ولن تتلفها الغبرة. كل شيء سينتظرنا حتى نعود، سيحتفظ برائحتنا فيه، ورائحته فينا”
” نعم سنعود، ولن نجد لا رائحتنا ولا رائحته”
تصمت قليلاً وكأنها تأخذ نفسَاً:
” هل ترى ما هو مرسوم على هذه الصحون؟ “
“روميو وجولييت”
“كانوا عشاقاً؟”
” نعم”. وكان يكاد يلمس هدوءاً في صوتها، فيشرق قليلاً.
” أتذكر من أين جلبتَه؟”
” أذكر، من لبنان”
” إنه جديد وما زال في علبته”. تخرج الطقم كاملاً من العلبة. وتتابع:
” لن يكون هناك أصدقاء في السهرة، ولن نقدم الحلويات في هذه الصحون” . تضربه في الأرض وتتحول الصحون إلى طحين زجاجي.
“أرجوكِ”
” هل ترى هذه النرجيلة؟ طويلة مثل زرافة من كريستال. اشتريتها من الحميدية لكي نضعها على الشرفة وندخن. لا أريد أن أسمع صوت نفسَها في صدر أي أحد. هل تسمع. في صدر أي أحد”
وتنفجر النرجيلة.
” أرجوكِ، يكفي”. قالها بلا صوت.
“لا يكفي، الثياب، ثيابي، ثياب الأطفال، لا أريد أن أراها على أي جسد غير أجسادنا والصور، صورنا على الجدران والرفوف، سأحرق كل شيء..”
” الصور لا. سأخفيها في الحقيبة”
وبعد دقائق من صمت حاد. قالت:
“عدني بأننا سوف نعود”
جاء رنين الهاتف، الآن، برنة طويلة ينقذه من ذكريات تلك الليلة، ومن وعده أيضاً.
كانت الأخبار التي تلقاها جيدة، ولأول مرة، منذ ثلاثة أشهر، يرى بياضاً ضمن كل هذا السواد الذي أحاطهم منذ خروجهم في فجر تلك الليلة. لقد تمت الموافقة على تشغيله في معمل لتجميع الأجهزة الكهربائية براتب جيد.
ألقى نصف السيجارة، وهبط الدرجات قفزاً. على باب غرفة الحارس الأمني لمركز الإيواء، استوقفه المسؤول، أخبره بأنه يتعاطف معه، وأنه يسعى جاهداً لمساعدته في الحصول على الموافقة الأمنية التي تمكنهم من الخروج من المركز واستئجار منزل. لكنه قال بأن الأمر يحتاج إلى مبلغ من المال، ليس له بأية حال فهو يعتبر نفسه كأخ، وإنما لأشخاص مسؤولين عن ذلك ويتعاطفون معه أيضاً، وكل ما كان الدفع بشكل أسرع كان ذلك أفضل له. ومستمداً ثقة إضافية من الخبر الذي تلقاه للتو، ضمن محمد له ذلك، وأخبره بأنه سيدفع له فور استلامه الموافقة، وأن المبلغ جاهز.
“هذا ما كنت أريد سماعه”. قال الحارس.
وضغط على يده بقوة، كشعور متبادل بالتضامن.
كانت غرفتهم هي الأخيرة ضمن صف غرف تبديل الملابس، وكان الممر مملوءاً بحبال غسيل وثياب وشراشف وكأنه سفينة شراعية. وهواء مملوء بالدوار.
في غرفتهم، كان اللون الرمادي هو المسيطر، ككل الغرف. فرشات وبطانيات رصاصية من تلك التي توزعها الأمم المتحدة، بالإضافة إلى بعض الأشياء الضرورية الأخرى التي اشتراها بسعر رخيص من سوق الأشياء المستعملة. من ضمنها تلفزيون سيرونكس ملون 14 بوصة مع جهاز استقبال، كان التلفزيون مخصصاً لمشاهدة برامج الأطفال والأخبار، حيث ضمن له الحارس خط من الصحن اللاقط الخاص بغرفة الحراسة مقابل مبلغ من المال.
كانت زوجته وأولاده يتناولون طعامهم عندما دخل، ولمحت زوجته ظل ابتسامة وتغير في لون وجهه، حدقت فيه مطولاً، لم يستطع أن يصمت أكثر، أخبرها أولاً بخبر تشغيله، نهضت، احتضنته، عندها أخبرها بأمر الموافقة الأمنية. همست له:
” أخرجنا من هنا بأقصى سرعة”
ناولته صحناً أبيض مصنوعاً من الميلامين وملعقة. سكبت له الأرز مع الفاصولياء، وكانوا يتناولون الطعام بصمت. وشعر بمرارة فمه نتيجة التدخين المستمر.
قليلة هي المرات التي خرج فيها من الملعب، كان يشعر، في كل مرة يخرج فيها، أن الشوارع ترفضه، أن الجميع سيعرفون بأنه مهجَّر، بأنه غريب. على دوّار المصارف، القريب من الملعب، جلس على حافة رخامية، كان عدد المارة قليلاً، وخطر قذائف الهاون مازال مستمراً. كان يدخن وينظر إلى الأسفل، وكأنه لا يريد أن يعرفه أحد، أو أن يتعرّف إلى أحد.
رنَّ هاتفه للمرة الثانية اليوم، كانت المكالمة قصيرة، حادة ومؤلمة.
في تلك الليلة، بعد أن تركت زوجته ما لم تقوَ على تكسيره، خرجوا خمستهم فجراً، كأشباح، مشوا مع الناس التي تمشي باتجاه نقطة التجمع، أشباح تشبههم أيضاً، ومع كل خطوة كان البيت يبتعد حتى أصبح شبح بيت. ومع اتساع الضوء، كان المئات من الناس، يحملون حقائبهم، أمتعتهم وأولادهم ويسيرون. سيارات صغيرة وكبيرة، باصات وسيارات شحن، كلها مملوءة بحشد لا يعرف الطريق. كان التكهن سيد الحفلة.
على معبر الخروج انتظروا أربع ساعات حتى فرغ الجنود من تدقيق كل شيء، وكان هناك تعب وجوع وصراخ ونفاد صبر.
على الحاجز الآخر، انتظروا وقتاً أطول، وشوطاً جديداً من التدقيق. في حدود الرابعة عصراً وصلوا إلى مأواهم الأخير في الملعب البلدي الصغير في جرمانا. باقي الناس تقاسمتهم مراكز الإيواء.
أشعل سيجارة جديدة، نظر إلى السماء، كانت صافية ونفس النجوم كان يراها من سطح بيته. شعر بأنه لا بد وأن يبدأ من جديد، وأن يخفي أمر المكالمة عن زوجته خشية أن يفسد عليها فرحها البسيط هذا اليوم. كانت المكالمة قصيرة وحادة:
لقد أصيب بيتهم بصاروخ، وسوّي بالأرض والتهمت النار كل شيء.