سبعة أيام تفصل بين تقديم مقترح التحقيق وتسليمه. بالضبط 168 ساعة من عمر سوريا. خلالها، حصلت 8 جرائم قتل هزت البلاد من الساحل إلى السويداء مروراً بدمشق. أما الضحايا كباراً وصغاراً ذكوراً وإناثاً، تعددت طرق الجريمة مرة بفأس وأخرى بسكين، وثالثة برصاصة وكل هذه الأدوات لم تكن عابرة لأرواحهم/هن، بل كانت نهاية حياة في بداية 2022. بدأت الحكايا من صبية جريئة تحدثت بصوت مرتفع عن قضية المغدورة آيات الرفاعي، القضية التي وحدت السوريون على اختلاف آرائهم السياسة والاجتماعية، ومنذ مقتلِ آيات تتوالى الجرائم تباعاً، رغم التحرك السريع للجهات المعنية! لماذا كل هذا العنف؟ وهل جعلت الحرب السوريين عنيفين بالفطرة؟ أم أن العنف نتيجة طبيعة بعد 10 سنوات حرب؟ كيف يتجرأ قاصر على قتل أخته؟ وكيف تكون الرصاصة أسهل من ضربة كف؟ ماذا ينتظر مستقبل البلاد أمام كل هذا العنف؟ هل القانون قاصر؟ هذه هي جمل “مونولج” داخلي يدور في ذهن كل من يفكر قليلاً بما جرى في 7 أيام من تاريخ هذي البلاد، التي مازالت تخسر أرواحاً بشتى الطرق.
الموت واحد هي شعرةٌ بين رفع اليد للقتل وبين التنفيذ، يُحَمِلُ السوريون/ات الحرب السبب الأول لازدياد الجريمة في البلاد، لكن يصنف عامي 2020 و2021 من أكثر الأعوام ارتكاباً لفعل الجريمة البشرية أي القتل بين المدنيين خارج حدود المعارك والنزاع على الجبهات. تشير الاحصائيات الرسمية السورية الى أن 297 جريمة قتل حصلت عام 2021، وهذه الإحصائية لا تشمل الثلث الأخير من العام الفائت. تتحدث الاختصاصية في علم النفس هبة موسى لـ “صالون سوريا” عن عدة أسباب باتت تجعل فعل القتل أمراً عادياً: “الحقد، الغيرة البيئات الاجتماعية المختلفة، الألعاب الالكترونية ، البابجي نموذجاً”. أما الجرائم ودراستها وتحليلاتها، فتشير موسى الى أنها تُدرس حسب أسلوب التعاطي والتربية والعمر لمن قام بالجريمة. أما الأساليب المتجددة لـ “القتل تحديداً” وخصوصاً ما يفعله به الأطفال، فتتصدر المشاهد العنيفة التي تلاقاها السوريون والسوريات خلال 10 سنوات حرب السبب الأول، فهي كانت خزين الذاكرة لديهم، فأصبح قتل الشخص الذي يسبب الإزعاج لشخص آخر هو الحل الوحيد. يوافق المحامي رامي جلبوط الاختصاصية النفسية في الجزئية المتعلقة بتأثير الحرب على ارتفاع نسبة الجريم، لكنه يصنف في أنواع الجرائم التي ارتفعت كثيراً في السنوات الأخيرة من تاريخ سوري. ويقول لـ “صالون سوريا”: “الجرائم الواقعة على الأموال تتصدر اليوم المرتبة الأولى”، موضحاً أن “تدهور الأوضاع الاقتصادية العامة، فقدان المواطنين لمدخراتهم على مدار سنوات الحرب، الارتفاع في نسب التضخم أفقدت المدخول الحقيقي للفرد قيمته بالتوازي مع ارتفاع كبير جداً بالاحتياج للنقود لتغطية المصاريف الضرورية”. هذا ما دفع الكثيرين لارتكاب جريمة السرقة بكافة أشكالها، والنشل على وجه التحديد في محاولة تأمين مصادر دخل إضافية، حسب جلبوط. ويضيف ان هذا الأمر “ترفق مع ظهور فئة جديدة من الأثرياء الذين اغتنوا من الحرب والذين لم يستطيعوا كبح جماح رغبتهم في إظهار ثرائهم الجديد، مما دفع الآخرين لمحاولة تحقيق توازن فيما بينهم وبين الأثرياء الجدد عبر اقتناص أموالهم مبررين ذلك أخلاقياً بالنسبة لهم بأنهم يسرقون من السارق”. ويعطي مثالا على هذه الجرائم ما يتعلق بـ “قيام المحاسبين باختلاس أموال التجار الذين يعملون لحسابهم وذلك بعد رؤيتهم لكمية الأرباح الضخمة التي حققوها من خلال استغلال ظروف الحرب”. وهذا يرتبط مع تحليل هبة موسى الاختصاصية النفسية، باعتباره “احد أشكال الحقد الطبقي الذي يولد فعل القتل عند البعض”.
حياة روح! هذا العنوان غير مُعَرَف، ربما يعتبره بعض مختصي اللغة أنه “خطأً قاتل”. يشبه هذا العنوان حياة الطفلة التي وجدت أمام أحد مستشفيات اللاذقية وأسموها الأطباء “روح”، ويشبه أيضاً حياةَ طفل ملفوف بورقة بيضاء في حماه كتب عليها “ابن حلال”. تعددت أشكال القتل عن سابق إصرار وتصميم في البلاد، ومنها مايشبه القصتين. أبرياء يصبحون بلا نسب بسبب نشوة حب عابرة، أو ربما بسبب عدم القدرة على شراء علبة حليب لهذا الطفل أو الطفلة. وهذه أيضاً يصنفها القانون أنها جرائم. وأشارت إحصائية رسمية في صيف 2021، أن عدد الأطفال المجهولي النسب كان 112 طفلاً وطفلة. من أنواع الجرائم التي تحدث عنها المحامي رامي جلبوط أيضاً، الانتحار وزدادت نسبته في سوريا، رغم أن العام الماضي أي 2021 انخفضت نسبته حسب تصريحات رئيس الطبابة الشرعية في سوريا الدكتور زاهر حجو للصحافة الرسمية في البلاد. ووصلت إلى 30 حالة انتحار، غالبيتهم من الشباب والشابات. وتعزو هبة موسى هذا الى “الوضع الاقتصادي للشباب اليوم، والضغوطات النفسية، والشعور باللاجدوى من المستقبل، وحلم الهجرة وعدم القدرة على تنفيذه كلها عوامل محرضة لإنهاء الحياة”. ومن حالات الجرائم التي انتشرت أو ربما الأدق ظهرت أكثر إلى العلن أثناء الحرب، هي الجرائم بحق النساء، أي جرائم “العنف القائم على النوع الاجتماعي”، بدءاً من قصة الفتاة السورية في مدينة الحسكة التي حاولت رفض الزواج من ابن عمها فقتلها أهلها، والأخرى في مدينة السويداء التي طاعت أهلها ورفضت شخصاً يحبها فقتها، وآيات التي عملت كجارية حسب الروايات الأهلية. كل هذه الحالات ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي بنشرها، وأقر الاختصاصيون النفسيون والاجتماعيون والحقوقيون وجودها قبل الحرب، لكنها زادت أثناء الحرب، وتفاقمت أثناء فترة وباء”كورونا”، حسب الاختصاصية موسى. أيضاً ليست هناك إحصائيات رسمية سورية، بل تشير الاحصائيات التي وثقتها بعض المنظمات إلى حدوث 24 حالة تم توثيقها، وبالطبع هناك الكثير من الحالات التي لا يمكن توثيقها، ودفنت مع سرها أيضاً.
رأي مدني؟ هل بات المواطنون/ات اليوم لا يهابون القانون؟ هل بات السجن أو الإعدام عادي بمختلف أنواع الجرائم طبعاً، السرقة، القتل، النشل، الشروع بالقتل وغيرها، أم أن القانون يجب أن يكون حازماً أكثر؟ أين دور المجتمع المدني ومؤسساته الناشطة في سوريا؟ تجلب الحرب كل ويلات التمرد، والدمار النفسي الاجتماعي والاقتصادي، تفقد الناس ثقتهم بكل شيء حتى بأنفسهم فينتحر بعضهم أحياناً، ويقتل آخرون. ويلتزم الكثير منهم الصمت، ويذهب آخرون وأخريات للتباهي بكسر القوانين والتحايل أيضاً على القانون، ليشعروا/رن بالنشوة الزائفة والقوى الزائفة حسب الاختصاصية موسى. وفي حديث عن القانون السوري، يشير جلبوط الى ان القوانين السورية “ممتازة بمعظمها. الطائفة الأوسع من مختلف الجرائم ويتصدى المُشرع السوري للجرائم الجديدة بنسبة مقبولة من سرعة الاستجابة ولا أعتقد أن وضع القوانين الحالي قد أثر في ارتفاع نسبة ارتكاب الجريمة”، منوهاً أن مواجهة الجريمة “لا تكون بقرارات أو عمل جهاز أو شخص أو وزارة واحدة. مواجهة الجريمة تكون باستراتيجية تتبناها الدولة بكافة أجهزتها وبمعاونة مؤسسات المجتمع المدني تبدأ بالدرجة الأولى بنشر الوعي والثقافة العامة ونشر الثقافة القانونية لأن الجريمة ابنة الجهل:. إذاً أين المجتمع المدني؟ يتحدث الناشط المدني أنس بدوي لـ “صالون سوريا” عن دور المجتمع المدني مقدماً قضية الشابة آيات الرفاعي كمثال، قائلاً: “لا شك أن واحدة من أهم الملاحظات على كيفية التعاطي مع الجريمة هو أهمية الحشد والمناصرة التي قام بها المجتمع المدني والذي حرك فيها الرأي العام من خلال تسليط الضوء على العقوبات وتسليط الضوء على أهمية وجود قانون وتشريعات حساسة للنوع الاجتماعي تحمي المرأة والنساء وتسليط الضوء على المواد الحقوقية من حق والحياة، لكن هنا يجب أن نقف عند التحرك الإيجابي الذي قانت به الحكومة تجاه قضية آيات الرفاعي رغم الكثير من المأخذ هل هي استجابت بالفعل للرأي العام والمجتمع المدني؟ أشك في ذلك”، على حد تعبير بدوي. ويتابع أن الحكومة إما استجابت للرأي العام أم خشيت من تنامي رد الفعل الشعبي؟ أو أنها بالفعل رأت أنها قضية يجيب تسليط الضوء عليها أو لفت النظر عليها. يقال ان “العبرةَ في الخواتيم”. اختلفت أسماء الضحايا على امتداد مساحة الجغرافية السورية، فهل يعتبر من يفكر بالجريمة أياً كانت اليوم؟ ربما لا تتساوى الجرائم وكذلك لا تتساوى العقوبات، فلكل فعلٍ عقوبة تناسبه في القوم، لكن تبقى “جريمة”، من سوف ينسى كيف تكلم قاتل شقيقته عن جريمته الكاملة بهدوء أمام الكاميرات؟ ومن سينسى مونولجاً دار في رأسه عن طريقة موت آيات ومحمد الذي قتلته خالته امرأة أبيه!
على باب المنزل امرأة مع طفلتيها، صممت كيسا قماشيا ثنائي الجيوب. في يد كل طفلة كيس، والجيوب مخصصة لمواد محددة، ترجوك المرأة أن تضع ما تيسر لك او ما ترغب في إيداعه في كل جيب. بوجه يبتسم رغما عنه، وبلغة منكسرة وصوت خافت تقول المرأة: “كل عام وأنتم بخير! ساعدونا لجمع مونة رمضان يا أهل الخير”. جيب للأرز وآخر للسكر وثالث للبرغل ورابع للبقول. وفي يد الأم، كيس قماشي كبير للمعلبات او للكعك والخبز وسواها. يبدو أن الطفلتين قد تدربتا على مهامهما بشكل جيد، تستلمان ما يعطى حسب محتوى الكيس المحمول بيد كل طفلة، تفرغان المحتويات الممنوحة في الجيب المخصص، لا تبتسمان ولا تنبسان بحرف. هما هنا من أجل مهمة محددة، وإن جرب أحدنا تقديم قطعة بسكويت أو حلوى لهما، تنتظران أمرا من والدتهما لأخذها. يبدو المشهد وكأنه فيلم قصير مبتكر، دراما تلفزيونية محبوكة بإبداع وحرفية عالية. هل يمكننا التجرد من البؤس الماثل والمكثف أمامنا؟ هل يمكننا الحكم على جودة المشهد وكأننا حكام فنيون متخصصون؟ لن نفاجأ بتلك المخيلة التسولية المرتبة، تنظيم دقيق وفائق لطلب الحاجات الأساسية! ليس مهما أبدا أن تصدق المرأة، تقول في نفسك حتى لو كانت تريد بيع ما تحصل عليه، فلتبعه وتشتري دواء أو تدفع إيجار البيت!!! كل شيء بات معدوما ويتعثر الحصول عليه.
سؤال الفقر لم يعد سؤال الفقر مؤرقا ولا مدعاة للخجل، يشعر السوريون والسوريات، بل وفي حقيقة الأمر هم لا يشعرون، بل يعانون من فقر شديد ومن حياة أشبه بحياة التسول، وكل الاحتيالات المكشوفة حول تبادل الموجود كل حسب حاجته هو مدعاة للقهر الشديد، لأنه اعتراف صريح وواضح بمدى إلحاح الحاجة وضحك على النفس بأن عين العقل هو تطبيق نظرية التبادل السلعي ولو كانت ممعنة في هشاشتها وقلة فعاليتها. تتضافر العوامل الداخلية والخارجية لتزيد من استحالة توفير الحدود الدنيا من أساسيات العيش للسوريين والسوريات، بلد منهك وفساد معمم وموارد شحيحة، لا كهرباء ولا دواء إلا لمن يملك مالا وفيرا وغير متعوب فيه كما تصفه الغالبية، أي أنه مال أسود تحصل من تجارة سوداء، بمواد تستجلب القتل والقهر والتجويع وتسرق كل ما هو متاح ولو كان ملكا صريحا وصحيحا للآخر بالقوة والبلطجة في ظل غياب شبه تام للقانون. كما أن كل الواردات والمساعدات من الأهل والأصدقاء خارج الحدود لم تعد كافية لدفع إيجار البيوت أو تكاليف إقامة لليلة واحدة في أحد المشافي الخاصة. وهذه المدينة وناسها وأهلها ألا يستحقون الكتابة عنهم خارج عملية الإنكار المزمنة لكل هذا القهر والتجاهل والموت المنظم وكأنه العملية الأكثر انتعاشا، كيف لمدينة بكل هذا الحضور والعوز أن تُشطب من قوائم الأخبار والمتابعات الإعلامية؟
موطئ “دعسة” على موقف الباصات ينتظر كثيرون موطئا لدعسة قدم في أي حافلة متهالكة أو باص يتدلى الناس منه كأحشاء لفظها بطنها. يأتي مازن حاملا لفافة فلافل بيده. إنها الساعة السادسة مساء والجوع قد استفحل في المعدة الخاوية. يحاول مازن دعوة صديقه لمشاركته الطعام، علامات التردد واضحة عليه، وكلما جدد الدعوة لصديقه، كلما أحكم قبضة يده على اللفافة، لكن صديقه الجائع مثله وربما أكثر، يقترح حلا! يخاطب صديقه قائلا: “اقسم اللفافة بيننا، نسكت جوعنا حتى نصل بيوتنا وأعطيك نصف ثمنها”. يوافق مازن بسرعة، يبدو أن خطة صديقه “الذكية” ستوفر عليه ألفا وخمسمائة ليرة ثمن نصف السندويشة التي شعر وهو يسدد ثمنها بالندم، لكن الجوع أقوى وأشد غلبة من الندم. وحده الرحيل هو الحلم المشترك للجميع، يسعون إليه حتى في الأحلام. يبيعون البيوت وما تبقى من أراض هي تركة الآباء ووصيتهم الباقية للأبناء، الرحيل لا السفر، فلا أحد يفكر بالعودة، والجميع قد قطع حبل السرة مع هذه البلاد وحان وقت الانفصال النهائي عنها حتى بالذاكرة. يقول سعيد المقيم في فرنسا، نسيت كل شيء، كل التفاصيل. كان يسخر من عبارة “ريحة البلد غير”، ويضيف: “لولا صوت أمي على الهاتف الجوال لنسيت اسم البلاد واسم شارعنا وعنوان بيتنا”. في سوق الخجا المشهور ببيع حقائب السفر، ازدحام غير موجود إلا على أفران الخبز ومحطات الوقود. يتذمر الناس من غلاء أسعار الحقائب، بعضهم يرغب بحقيبة صغيرة لكن لا تتضرر بالماء، تعرف أن موسم الرحيل بالبلم قد بدأ، ـتشعر بالغرق بدلا عنه، وآخر يريد حقيبة رخيصة لكنها كبيرة، ويقول: “هي سفرة يتيمة لن أعود بعدها ولن أسافر إلى أي مكان حتى أحصل على الجنسية”. خبرة السوريين والسوريات بالسفر وطرق اللجوء وكلفة السفر وأرقام المهربين واسعة جدا، أوسع من خبرة مؤسسات سياحية أو أمنية مختصة. والبلد الهدف محدد قبل بداية الرحلة ولا تراجع عنه، لدرجة أن الشخص الحالم الواقف امامك على أرض لا يريدها، يعرف عن وجهته المقصودة أكثر بكثير مما يعرف عن هذا البلد الذي أجبره كما يقول على هجرانه ونسيانه فور مغادرة الحدود. اللافت أن أساليب جديدة يبتدعها السوريون للجوء الآمن تجد طريقها للتداول خاصة بين الشباب والشابات، كأن تطلب شابة من قريب لها الزواج منه حتى تصل أوروبا وهناك يتم الطلاق مقابل منح أهله قطعة أرض متنازع عليها بينهم وبين أهلها.
الصقيع فاقمت أزمة الصقيع الأخيرة من شجون وآلام السوريين. تعرفوا فعلا إلى معنى الموت بردا، يكتب أحد الشباب على صفحته: “إذا مت من البرد، لا تدفنوني، أحرقوا جثتي علني أشعر بالدفء قليلا”. وتقول إحدى السيدات متسائلة: “هل سنحاكم عند موتنا كأهل العز والغارقين في نعيم الدفء؟”. وتضيف: “عليهم إرسالنا إلى الجنة فورا للتعويض عن كل القهر الذي عشناه”. البرد في حضور العتمة يشبه الاستلقاء في قبر مفتوح، يزيد اتساع فتحته من لسعة الصقيع ويفاقم غياب المحروقات من لسعات الشعور الغامر بالظلم والحرمان. السوريون والسوريات على موعد مفتوح مع الصقيع في ظل غياب أي بارقة أمل، أو أي تحسن ملحوظ مرتقب لتحسين فرص نجاتهم من براثن موت يصطادهم يوميا جسديا ونفسيا، لدرجة أنهم يطالبون فصل الصيف بالقدوم فورا، وكأنه الكائن الأكثر عطفا عليهم والأكثر دراية بأحوالهم القاهرة لأنهم لا يملكون من أمرهم شيئا إلا عبر الاستنجاد بالطبيعة العاجزة أصلا عن التحكم في مجريات حياتها. وهذه المدينة وأهلها ألا يستحقون تدوين تاريخ كل هذه القروح! علّ جرحا منها يشفى أو يبقى الجسد المتقرح عصيا على النكران والهجران؟ سلوى زكزك دمشق 16 آذار 2022
في أحد أحياء دمشق، هناك منزل تفوح منه رائحة العراقة التي عرفت بها البيوت العربية، بيت شهد ولادة وانطلاقة واحد من أهم شعراء سوريا والوطن العربي. انه بيت نزار قباني في حي مئذنة الشحم في دمشق القديمة، الشاعر السوري الذي جعل منزله بما فيه من أشجار ونباتات وحيوانات حاضراً في الكثير من قصائده. ولد نزار قباني بدمشق عام 1923، وكان جده أبو خليل القباني أحد رواد المسرح السوري والعربي، بينما عمل والده توفيق بائع سكاكر. أما والدته فائزة أقبيق، فهي ابنة عائلة دمشقية عريقة. ويقول قباني في كتابه قصتي مع الشعر: “يوم ولدت في 21 آذار 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة وكان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء”. لكن، “هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة، إني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ ولكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر وإنما أظلم دارنا”. بهذه الكلمات وصف الشاعر نزار قباني بيته، الذي استند إليه في العديد من القصائد خلال مسيرته الشعرية.
يوضح الباحث التاريخي علي المبيض لوسائل إعلام سورية أن نزار استند في شعره إلى مرتكزين أساسيين: هما الأم والبيت، حيث غرق في وصف مسقط رأسه، لدرجة أنه لم ينس القطط والبحرة وشجرة الياسمين وغيرها. ويقول نزار: “شجرة النارنج تحتضن ثمارها، والدالية حامل، والياسمينة ولدت ألف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ.. وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا”. وحتى عندما خاطب نزار والدته بقصيدةٍ من مدريد بعنوان “خمس رسائل إلى أمّي”، ذكر بيته الدمشقي. اذ يقول: “صباح الخير من مدريد.. ما أخبارها الفلّة؟ بها أوصيك يا أمّاه.. تلك الطفلة الطفلة.. فقد كانت أحب حبيبة لأبي.. يدلّلها كطفلته.. ويدعوها إلى فنجان قهوته.. ويسقيها.. ويطعمها.. ويغمرها برحمته”. ويبين المبيض أن قباني ربط الفل برسائله إلى والدته ويقول: “تصويره لنبتة الفلّة الموجودة في بيته القديم، يعكس علاقة تبادُلية وعاطفية وثيقة.. شاعر يتحدَّث إلى والدته وهو على بُعد آلاف الكيلومترات ومع ذلك يسألها عن الفلّة”. ومن الياسمينة وشجرة النارنج والبحرة والبوابة وغيرها، أخرج قباني قصائد عديدة مليئة بالحس الدمشقي البيتوتي، أضفت الكثير على مكانته الشعرية. رغم بيع المنزل وسفر نزار قباني خارج سوريا لفترات طويلة، استمر بزيارته مسترجعاً ذكرياته أيام طفولته ومتمعناً بالأشياء التي كان يتغزل بها في أشعاره. ويقول صاحب المنزل حالياً محمد نظام: “ولد نزار وترعرع في هذا المنزل حتى المرحلة الجامعية، ثم انتقل مع أهله لمنزل آخر قريبٍ منه”. وأوضح نظام أن البيت بقي على حاله، خاصة أشجار الياسمين والكباد والليمون والنارنج، التي كان نزار يتحدث عنها بقصائده. في عام 1968، اشترى السوري عباس نظام المنزل الذي ولد فيه نزار، وإلى اليوم لايزال يعرف بمنزل نزار قباني، ولكن لا توجد أي مقتنيات له. ويضم المنزل باحة الدار والبحرة التي تغنى بها نزار، والفسحة السماوية والقاعة الصدفية، والليوان والعديد من الغرف. ويروي صاحب المنزل، أن نزار زاره بإحدى المرات وجلس عند طرف البحرة، عندها تقدمت قطة وجلست في حضنه، قال: “ربما عرفت أنني كنت من سكان هذا البيت”. وتقول إحدى القصص إن نزار كان يحاول فتح شقته في مدريد، فأخرج مفتاح منزله في دمشق القديمة بدلاً من المفتاح الصحيح.
لا يمر أسبوع دون أن يزور العديد من السوريين وبعض السياح منزل نزار قباني، بغرض مشاهدته والاطلاع على تفاصيله والربط بينه والقصائد. وتوجد لافتة أمام باب المنزل كتب عليها “هنا سكن نزار قباني”. كما يشهد المنزل في بعض الأوقات فعاليات ثقافية واجتماعية تجريها جمعيات مختلفة، إضافة إلى تصوير المسلسلات. ويؤكد صاحب المنزل أنه مفتوح أمام عشاق نزار وجميعهم محل ترحيب، مبيناً أن عدد الزوار قد انخفض مع بداية الحرب في البلاد. ويضيف: “يأتي الناس لمشاهدة البحرة والأشجار وغيرها من الأشياء التي كتب عنها نزار، ويسألون عن التغييرات التي طرأت على المنزل ولن نغلقه أمام أحد واللافتة تؤكد ذلك”. قبل سنوات عرضت عائلة نظام بيت نزار قباني للبيع، والذي يقدر عمره ما بين 400 إلى 500 سنة. وسبق أن افتتحت وزارتا السياحة والثقافة في سوريا المنزل ووثقته عام 2015 بعد أن كان هناك اختلاط بينه وبين منزل آخر قريب منه يعود أيضاً لعائلة القباني، واعتبر المنزل مكاناً سياحياً وثقافياً لشخصية معروفة، لكنه يبقى مسكناً له ملكية خاصة. ويقول محمد نظام: “أتمنى أن يشتريه شخص قادر على الاهتمام به، ويشعر بالقيمة المعنوية الموجودة في المنزل، فنحن لا نشتري جدراناً بل ثقافة”. وسيبقى منزل نزار قباني شاهداً على قصائده، كيف لا، وهو يرقد بالقرب منه إذ دفن في مقبرة الباب الصغير عام 1998، كما أن كلماته حاضرة في الأذهان دائماً، وهي: “الذين سكنوا دمشق، وتغلغلوا في حاراتها وزواريبها الضيقة، يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون”.
منذ مقتل آيات على يد زوجها وعائلته وتصدّر أسمائهم على ورقة نعوتها، وظهور تلك القضية للعلن بصدفةٍ أن صديقةٍ لها أخبرت عن شبهة جريمة، والمسؤولين/ات في سوريا يتخبّطون متفاجئين/ ات من تلك الجريمة الغريبة عن المجتمع السوري، فالمجتمع السوري محافظ ولديه من القيم ما يمنع من ارتكاب جرائم بحق النساء!. وتعالت صيحات مطالبة بأشد العقوبات على من يقتل النساء، وبدأت الحملات تنادي بقانون خاص ضد العنف الأسري وقانون ضد العنف القائم على النوع الإجتماعي وحملات تطالب بحماية النساء تحديداً من العنف الأسري. والصحف تتصدّرها أرقام عن قضايا قتل النساء بحجة “الشرف”، غير دقيقة بل مستخدمة منذ خمسة عشر عاماً، تقول ان سوريا الثالثة عربياُ والخامسة عالمياً في قتل النساء، منذ أن كان معتمداً في حملة “لا لجرائم الشرف” التي بدأها “مرصد نساء سوريا” في العام 2005 التي على أثرها تمت الموافقة على إلغاء “العذر المحل” في جريمة الشرف، وفيما بعد إلغاء “العذر المخفف” (المادة 548) عام 2020، لتبقى النصوص القانونية “القاتلة” كما هي دون الإقتراب منها، وهي القتل بحسب “الدافع الشريف” و “القوة القاهرة”، ما يعني غياب الإحصائيات الحقيقية الحكومية وغير الحكومية.
شراكة في القتل ” بالرغم من أن المشرع ألغى المادة 548 التي تخفف أو تحلّ من العقوبة على القاتل دفاعا عن شرفه لكنه أبقى على عدّة مواد تخفف من العقوبة بسبب “الدافع الشريف وفورة الغضب”، وهي المواد 192/240/241/242. من قانون العقوبات السوري، بالإضافة إلى أنّ الإجتهاد القضائي يوسّع بمفهوم “الدافع الشريف” و “سورة الغضب”، ويعطي الأسباب التي تأتي معظمها بجسد وسلوك المرأة، من ذلك: -“الدافع الشريف” يعتبر سببًا مخففًا قانونيًا، لا بد من تطبيقه متى توافرت أسبابه، ولا يؤثر في قيامه بُعد المدة على وقوع الحادث، وان استطالت عدة أشهر، مادام المتهم قد علم بوقوعه للتو، ولم تهدأ عاطفته النفسية من أثر علمه بما وقع وأثارها”. -“العذر المخفف يحول العقوبة من وصف جنائي إلى وصف جنحي”. و”يشترط لتطبيق أحكام المادة 242 عقوبات المتعلقة بالعذر المخفف، أن يكون الفاعل قد أقدم على الفعل بسورة غضب شديد ناجم عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه”. -“استمرار العلاقة غير المشروعة بين المغدورة وعشيقها يجعل أخاها في حالة العذر المخفف إذا قتلها وهي في دار العشق” وقوانين تمييزية تعاقب النساء بعقوبات مضاعفة أكثر من الرجل على الفعل نفسه كـ “الزنى” أو بوصف مختلف كـ “الدعارة”، أو تعطي حقوقاً للرجل وحده كمنح الجنسية والطلاق بالإرادة المنفردة والحرمان من الحضانة في حال زواج الأم فقط، والولاية والوصاية القوامة التي تحصر الحق بالرجل فقط، والتغاضي عن جريمة التحرّش بحد ذاتها في العمل أو الشارع أو البيوت.وكذلك عدم المساواة في الإرث والحرمان منه أيضاً،وكذلك الإغتصاب الزوجي الغير معترف به في القانون كما عدم الإعتراف بأنواع العنف الممارس ضد النساء كالعنف النفسي أو الجنسي أو الجسدي.
شركاء مع القانون الحقيقة أن الجريمة المرتكبة لم تكن لأجل الشرف المزعوم الملتصق بجسد النساء وليست ضمن الدافع الشريف ولا فورة الغضب، إنما هي جريمة قتل النساء كونهن جزء من موروث ثقافي يعتبر النساء قوارير بحماية الرجل الصنديد يتوجّب تأديبهن وعليهنّ الطاعة، فالرجل رأس المرأة في الدين المسيحي، ولولا أنّ السجود للالله لأمرت النساء أن تسجد لأزواجهن في الدين الإسلامي بمختلف طوائفه ومذاهبه وباختلاف صحة الحديث أوعدمه لكنه متداول، وتعتبر ناشزاً إن لم تتطع زوجها وعليه الإنفاق عليها ودفع مهرها لقاء الطاعة، ومن البيت للقبر بحسب الموروثات التقافية السورية، ولا تستحق سوى بيت المقاطيع في المذهب الدرزي.
السالب والموجب جرائم تعذيب وقتل النساء ليست جديدة في سوريا، فعندما عرض الإعلامي توفيق حلًاق في برنامجه “السالب والموجب” بداية الثمانينات عن نساء وفتيات يحبسهنّ أباوهن وأزواجهن دون طعام وشراب، كان دافعاً لدخول راهبات الراعي الصالح لحماية النساء من العنف إلى سوريا ليكون الدير المكان الوحيد الي يأوي النساء المهددات بالقتل أو الموت بسبب العنف الأسري. مكان صغير في باب توما في دمشق لا يمكن أن يتسع لأكثر من خمسين امرأة في بلد وصل عدد سكانه مطلع 2011 إلى خمسة وعشرين مليون نسمه، تلاه مركز هاتف “الثقة لضحايا العنف الأسري” في 2007، الذي أسسته الراهبة ماري كلود نداف، مركز متكامل مخصص لحماية النساء من العنف يقدم خدمات قانونية ونفسية واجتماعية عبر الهاتف والمقابلات الشخصية والمتابعة القانونية في المحاكم. تقوقع عام 2019 ، وتراجع بدل أن ينتشر في المدن السورية. ،تم انشاء “مركز واحة الأمل” في 2009 “جمعية تطوير دور المرأة” التي بدأت بداية جيدة لكنه توقف عن العمل خلال النزاع في سورية. واليوم، “الهيئة السورية لشؤون الأسرة” التي فشلت في ايجاد مكان لحماية النساء من العنف وكذلك في إخراج قانون حماية المرأة من العنف الذي عملت عليه العديد من الفعاليات في سورية 2007، تجتمع مع عدد من الجمعيات المعترف بها من وزارة الشؤون الإجتماعية، وفي مكان آخر تجتمع مجموعات من المجتمع المدني كلّ على حدى للعمل على مشروع قانون يحمي النساء من العنف في الأسرة أو النطاق الأوسع في كل المجالات.
فهل يتحقق الحلم أم يبقى قيد المحاولة؟
مراجع: من بحث بعنوان “الاجتهادات القضائية المتعلقة بالنساء في قانون العقوبات السوري” ومدى تعارضها مع إتفاقية “سيداو” والإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد النساء منشور في قلمون 2021.
هل هناك دروس في «سلوك» روسيا العسكري والسياسي والإنساني في سوريا يمكن الاستفادة منها، في فهم مغامراتها الجديدة بأوكرانيا؟ وهل يمكن أن تقوم موسكو بنسخ «السيناريو السوري» في الحرب التي تخوضها على الحدود الروسية الغربية؟ أيضاً، ما تقاطعات التجارب الغربية بين «الملفين»؟
«الأرض المحروقة» في نهاية 2016، حذر وزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون (رئيس الوزراء الحالي) ونظيره الأميركي السابق جون كيري، موسكو من تحويل مدينة حلب إلى «غروزني سوريا»، في تشبيه مع عاصمة الشيشان التي اعتبرتها الأمم المتحدة في 2003 «المدينة الأكثر دماراً على وجه الأرض» بعد محاصرة قوات روسية ولها وتدميرها. وردت السفارة الروسية في واشنطن على موقع «تويتر» بالقول: «غروزني اليوم هي مدينة سلمية وحديثة ومزدهرة. أليس هذا الحل الذي نبحث عنه جميعاً؟». كان هذا الأمر نموذجاً لفهم روسيا في تدخلها العسكري بسوريا نهاية 2015 لـ«إنقاذ الدولة السورية». وفي نهاية العام الماضي، قال وزير الدفاع سيرغي شويغو إن جيشه «جرّب» في سوريا 320 طرازاً من مختلف الأسلحة، الأمر الذي استمر إلى هذه الأيام، حيث جرى نشر طائرات «ميغ 31 كا» قادرة على حمل صواريخ «كينغال» بقاعدة حميميم غرب سوريا. و«كينغال» صاروخ فرط صوتي تعادل سرعته 10 أمثال سرعة الصوت، ويتبع مساراً متعرجاً، وهو ما يسمح له باختراق الشبكات المخصصة لاصطياد الصواريخ، وكان بين الأسلحة التي شاركت في المناورات البحرية قبالة ساحل سوريا عشية الهجوم على أوكرانيا. وحسب خبراء عسكريين، فإن القوات الروسية اتبعت سياسة «الأرض المحروقة» في دعم قوات دمشق، التي رفعت حجم الرقعة التي تسيطر عليها من 10 في المائة إلى 65 في المائة. وغالباً ما كانت تأخذ قرية، مثل اللطامنة في حماة وحمورية في غوطة دمشق واللجاة في ريف درعا، «نموذجاً» لإيصال «إنذارات نارية» وإخضاع مناطق المعارضة بعد حملة عنيفة من القصف الجوي من قاذفات جوية و«براميل» وطائرات «درون» انتحارية. وتحدث «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن مقتل 21 ألف شخص في غارات جوية روسية، خلال 77 شهراً من التدخل العسكري، من أصل نحو نصف مليون سوري قتلوا خلال عقد من الصراع. وتحدثت الأمم المتحدة عن استخدام غازات سامة وأسلحة كيماوية خلال المعارك. موسكو تدخلت في سوريا لصالح «الجيش الحكومي» وكانت تواجه فصائل معارضة مختلفة المشارب والإمكانات والدعم، بينها فصائل إسلامية بعضها متشدد أو تابع لـ«القاعدة» و«داعش»، فيما هي في أوكرانيا تقاتل جيشاً نظامياً في دولة هائلة مجاورة وتنتمي إلى التاريخ نفسه. إلى الآن، لا يبدو أن التكتيتات العسكرية ذاتها في «المعركتين»، حيث لا يزال يغيب القصف العشوائي و«الأرض المحروقة» و«البراميل» والغارات الجوية العنيفة. لا شك أن هذا سيخضع للاختبار في الأيام المقبلة، بعد اعلان موسكو اغلاق الأجواء الأوكرانية وتصاعد العمليات ومقاومة أصحاب الأرض.
«انسحابات إعلامية» أعلنت روسيا أكثر من مرة أنها بصدد «تخفيف» عملياتها العسكرية في سوريا أو سحب بعض قواتها، ونشرت أكثر من اتهامات عن نية «الخوذ البيضاء» التحضير لـ«مسرحية كيماوية» بهدف «اتهام الحكومة السورية بها». كان هذا يحصل قبل بدء هجوم عسكري شامل أو جولة تفاوضية سياسية في جنيف. وأعلنت وزارة الدفاع عدم اعترافها بـ«شرعية» فصائل مقاتلة «معتدلة»، بينها «أحرار الشام» و«جيش الإسلام» في بيانات نشرت على موقعها الإلكتروني، تمهيداً للانقضاض عليها وقصف مقراتها، لأنها «مرتبطة بالإرهاب». ووقعت موسكو سلسلة اتفاقات و«تسويات» بتعاون مع واشنطن أو مع «ضامني» عملية آستانة الآخرين، أنقرة وطهران، لكن سرعان ما كانت تنقلب على الاتفاقات مع مرور الوقت وتغير المعطيات. وآخر مثال على ذلك، «تسويات» درعا التي أنجزت في 2018، وبقيت صامدة إلى العام الماضي، حيث جرى الانقلاب عليها. التجربة الأوكرانية مختلفة، لكن الآن، هناك بعض التقاطعات المشتركة. موسكو أعلنت سحب قواتها من حدودها الغربية، قبل الشروع عملياً في الغزو الشامل. وأعلنت أنها تريد المفاوضات، قبل جولة جديدة من التصعيد. وزارة الخارجية، تلعب دور «المدافع» و«الدبلوماسي» في المعركة التي تخاض عملياً من قبل وزارة الدفاع بأمر من الرئيس فلاديمير بوتين. هناك هدف عسكري معروف، في سوريا كان «استعادة سيطرة الدولة» و«دعم القوات الحكومية»، قد يتم التريث أو التكيف لتنفيذه. العقبات الوحيدة أمامه هي عسكرية وليست سياسية، والمفاوضات ما هي إلا أداة لتنفيذه وشراء الوقت للوصول إليه. وأعلنت موسكو أكثر من مرة فتح «ممرات إنسانية» لخروج الناس من «هيمنة الإرهابيين»، قبل أي معركة. ورعت كثيراً من المقايضات لـ«هندسة اجتماعية» ونقل ناس من مكان إلى آخر، من الجنوب إلى الشمال تحديداً. ولم توقف هجرة ١٣ مليوناً من النازحين واللاجئين. وليس مستبعداً أن تترك موسكو الباب مفتوحاً أمام هجرة أوكرانيين إلى الجوار، ما يسمح أيضاً بلعب «ورقة الهجرة» في أوروبا من جهة، والوصول إلى «مجتمع منسجم» في أوكرانيا من جهة ثانية. والمستقبل، سيقرر ما إذا كانت موسكو وواشنطن ستعملان معاً، أم لا، في ملفات إنسانية، مثل رعاية قرار دولي لتقديم مساعدات «عبر الحدود»، كما حصل في سوريا، من دون مظلة جوية.
«برنامج سري» الدروس المستفادة ليست روسية وحسب، بل هناك إمكانية لاختبار تجارب دول أخرى في «المختبر السوري»، ولعل أبرزها «العسكرة» و«القوة الصلبة». إذ إنه في نهاية 2012 وبداية العام اللاحق، رعت «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي إيه) الأميركية برنامجاً سرياً لتدريب فصائل معارضة ورصدت لهذا البرنامج مليارات الدولارات، ما أسهم في تراجع قوات النظام إلى أبواب دمشق قبل التدخل الروسي. وخلال كل فترة التدخل، رفضت أميركا إقامة منطقة حظر جوي جنوب سوريا وشمالها، لكنها سرعان ما أقامت مع التحالف الدولي ضد «داعش» منطقة حظر في شمال شرقي البلاد منذ 2014، لهزيمة التنظيم ومنع عودته. في موازاة ذلك، استخدمت تركيا أيضاً قواتها البرية والجوية بموجب الذهاب إلى «حافة الهاوية» ضد قوات دمشق من جهة، وتفاهمات ثنائية واستراتيجية مع روسيا من جهة ثانية. التجربتان الأميركية والتركية، تقومان على مبدأين: تدريب فصائل سورية وإمدادها بالسلاح عبر الحدود والدعم الجوي، وعقد تفاهمات وترتيبات مع روسيا لمنع الصدام العسكري على الأرض السورية، للوصول إلى «مناطق نفوذ» بين اللاعبين الخارجيين. وتجري حالياً اتصالات بين أجهزة استخبارات غربية للإفادة من «التجربة السورية» في أوكرانيا. معروف أن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وأميركا ودولاً أخرى، قررت إرسال أسلحة إلى كييف لدعم الجيش الحكومي. لكن السؤال: كيف يتم إيصالها إلى داخل أوكرانيا وجيشها؟ أحد السيناريوهات التي تتم دراستها، هو تأسيس برنامج سري بحيث يتم إيصال السلاح عبر حدود بولندا، في وقت تصعّد روسيا هجماتها غرب كييف، لقطع خطوط الإمداد و«تقطيع أوصال» أوكرانيا خصوصاً الأجزاء الغربية، لإغلاق الأبواب أمام الخطط الغربية. كيف سيتم ذلك من دون حصول مواجهة بين روسيا و«حلف شمال الأطلسي» (الناتو)؟ هل يؤدي هذا إلى تفاهمات ومقايضات ومناطق نفوذ في أوكرانيا كما الحال في سوريا؟
لا مبالغة في القول إن سوريا ستكون بين الأكثر تأثراً من الهجوم الروسي على أوكرانيا ومآلاته العسكرية والسياسية، سواء نجح الرئيس فلاديمير بوتين في إجراء تحول كبير في الميدان و«تغيير النظام» في كييف، أو غاص في «المستنقع الأوكراني» وووجهت قواته بمقاومة داخلية أو بدعم سري من دول «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) عبر الحدود البولندية. في الأصل، كان هناك رابط دائم بين الملف السوري وأزمات أخرى، مثل ليبيا وناغورنو قره باخ، في السنوات الأخيرة، باعتبار أن «اللاعبين» هم أنفسهم خصوصاً تركيا وروسيا. وكثيراً ما كان الطرفان يتبادلان الضربات في جبهة لإيصال «رسائل» في جبهة أخرى لإنجاز مقايضات جيوسياسية. لكن الرابط العسكري الأوضح هو بين أوكرانيا وسوريا، وهنا بعض الأسباب: أولا، الأسد – يانوكوفيتش: بعد هروب الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش إلى روسيا في فبراير (شباط) 2014، رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على «الثورة الملونة» بضم شبه جزيرة القرم في مارس (آذار) من العام نفسه. كما أن موسكو طلبت من دمشق التشدد في عملية السلام في جنيف التي كانت تجري برعاية الأمم المتحدة وعدم المرونة أمام طلبات «الثورة الملونة» في سوريا. وفي أحد الاجتماعات، أبلغ الرئيس بشار الأسد نائب وزير الخارجية الروسي والمبعوث الرئاسي إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف أنه لن يكون مثل يانوكوفيتش الذي هرب خلال أيام، بل قرر «البقاء والصمود». ثانياً، التدخل العسكري: بعد اعتراض موسكو على التدخل الغربي في العراق وليبيا، وبناء على طلب سري من موفد الأسد إلى الكرملين وطلبات أخرى من طهران في 2015، قرر الرئيس بوتين الانخراط العسكري في سوريا في سبتمبر (أيلول) 2015 لوقف انتكاسات القوات السورية ومنع «تغيير النظام». في المقابل، حصلت روسيا على امتيازات عسكرية كبيرة أهمها تأسيس قاعدة عسكرية دائمة في حميميم بريف اللاذقية وقاعدة بحرية في ميناء طرطوس. لم تقلب روسيا ميزان القوى العسكرية في سوريا بحيث ارتفعت حصة القوات النظامية من السيطرة على الأرض من 10 في المائة إلى 65 في المائة وحسب، بل إن الجيش الروسي استعمل الأراضي السورية مختبراً لتجربة 350 نوعاً من المعدات والأسلحة العسكرية في المعارك. ولوحظ أن مشاهد بعض المعارك في أوكرانيا حالياً تشبه إلى حد كبير مشاهد المعارك في وسط سوريا وغربها في 2016. ثالثاً، المياه الدافئة: وجود روسيا على مياه البحر المتوسط، كان حلماً قيصرياً روسياً قديماً، تحقق بتحويل ميناء صغير في طرطوس إلى قاعدة بحرية وإقامة قاعدة عسكرية قرب حدود «الناتو» في تركيا. وأبرز استعراض لهذا «الإنجاز الاستراتيجي» كان عشية بدء الهجوم على أوكرانيا، إذ جرت أكبر مناورات بحرية في البحر المتوسط الذي كان يشهد مناورات لـ«الناتو». يضاف إلى ذلك، أنه قبل المناورات زار وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قاعدة حميميم والتقى الأسد، وكانت هذه إشارة واضحة إلى أن موسكو باتت تعتبر سوريا «امتداداً لأمنها القومي». رابعاً، إشارات رمزية: لم تكن صدفة أن يكون وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في موسكو، يوم اعتراف بوتين بـ«استقلال جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك»، الذي اعتبره المقداد منسجماً مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ولاحقاً، أشاد الأسد بالهجوم على أوكرانيا باعتباره «تصحيحاً للتاريخ» بعد «تفكك الاتحاد السوفياتي». وكانت سوريا أيضاً وقعت اتفاقات لربط ميناء اللاذقية بشبه جزيرة القرم، واعترفت بجمهوريات انفصالية كثيرة تدور في فلك موسكو، وكلها إشارات إلى أن سوريا «جزء من العالم الروسي» الذي يريده بوتين. خامساً، رأس حربة: تعتبر موسكو قاعدة حميميم التي تضم منظومات صواريخ «إس 400» و«إس 300»، رأس حربة في المواجهة مع «الناتو» الذي يقيم قاعدة في انجرليك جنوب تركيا. واستطاع بوتين كسب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، المصاب بخيبة من السياسة الأميركية ودعمها للأكراد شرق سوريا، إلى جانبه. وأوضح مثال على ذلك، أن أنقرة رفضت إغلاق ممر البوسفور أمام مرور السفن العسكرية الروسية باتجاه السواحل الجنوبية لأوكرانيا. في المقابل، رفض شويغو طلباً سورياً خلال زيارته الأخيرة بإعطاء الضوء الأخضر لهجوم شامل في إدلب، حسب معلومات. سادساً، «القبة الحديدية»: الحذر في التعاطي مع الهجوم الروسي في أوكرانيا، لم يكن تركياً فقط، بل إن إسرائيل كانت حذرة بدورها، حيث أفادت تقارير عن عدم تقديم تل أبيب دعماً عسكرياً لكييف خوفاً من إغضاب بوتين وتقييد أيدي إسرائيل في غاراتها على «مواقع إيرانية» في سوريا، خصوصاً وسط تقارير عن احتمال أن يكون إحدى ثمار الحرب الأوكرانية تقارب إضافي روسي – إيراني. سابعا، خطوط التماس: لم تتغير «الحدود» بين مناطق النفوذ السورية الثلاث خلال سنتين، لكن المواجهة الأوكرانية تطرح أسئلة عن إمكانية تعرضها لاختبارات كثيرة. واشنطن أعلنت أن اتفاق «منع الصدام» بين الجيشين لا يزال قائماً. وموسكو رفضت طلب دمشق شن هجوم على إدلب. لكن لا شك أن مستقبل هذه «التفاهمات» مرتبط بمسار الأوضاع في أوكرانيا ومدى قدرة موسكو وواشنطن على عزل المسارات بين الملفات المختلفة. وينطبق هذا أيضاً على تفاهم البلدين على قرار المساعدات الإنسانية عبر الحدود وتمديده. ثامناً، ثمن اقتصادي: لا تقتصر آثار الرياح الأوكرانية على البعد العسكري والسياسي في سوريا، بل هناك آثار اقتصادية كثيرة، خصوصاً أن دمشق تعتمد بشكل كبير على الدعم الغذائي والنفطي من موسكو لمواجهة العقوبات الغربية عليها. موسكو في الأيام المقبلة، مشغولة جداً بملفها الساخن، لذلك لم يكن أمام دمشق سوى اتخاذ قرار بـ«شد الأحزمة» أمام تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية. لا شك أن مستقبل «خطوط التماس» ووقف النار والمساعدات الإنسانية والغارات الإسرائيلية والوضع الاقتصادي، بات مرتبطا بمآلات شرق أوروبا… كأن سوريا أصبحت «رهينة» مغامرة بوتين في أوكرانيا.