تدريباتنا

هل يمكن صياغة دستور توافقي جديد في سوريا؟

by | Mar 3, 2025

عندما أعلن الرئيس السوري، أحمد الشرع، حاجة بلاده لثلاث سنوات لكتابة الدستور الجديد، أثيرت عاصفة من التساؤلات الشعبية والقانونية حول المدد الزمنية المطلوبة فعلياً لكتابة دستور، خاصة أن الشرع عطّل العمل بدستوري عام 1950 و2012. يعتقد البعض أن كتابة دستور ناجح لسوريا هو عملية تتطلب الكثير من الوقت والجهد خاصةً إذا تم من خلال عملية شاملة تشارك فيها جميع فئات الشعب السوري. ويُثير البعض الآخر مخاوف حول الانقسامات المجتمعية العميقة في البلد ما قد يجعل عملية التوافق حول الدستور الجديد أكثر صعوبة. هذا المقال يُسلط الضوء على آراء بعض الخبراء حول صياغة دستور توافقي جديد في سوريا. 

تجارب دستورية

إن كتابة الدستور هي عملية توافقية تنظم علاقة الأفراد ببعضهم وبالمجتمع وبالدولة وهي مرحلة ضرورية بعد قيام أي ثورة، أو إنهاء نزاع، أو صراع، أو حرب أهلية مسلحة.

وفي هذا الصدد يستذكر الخبير والاستشاري القانوني معتز الفاضل أنّ تونس استغرقت ثلاث سنوات ما بين 2011 و2014 لكتابة دستورها والمصادقة عليه إثر سقوط بن علي وانتخاب لجنة دستورية، وفي مصر جرى نفس الأمر باستصدار تعديل عسكري على الدستور مع سقوط حسني مبارك ريثما جرى اعتماد آخر في عام 2014، أما ليبيا فتدفع حتى اليوم ثمن عدم وجود دستور منذ سقوط القذافي عام 2011 والتوجه لدستور بديل مؤقت أوقد فتيل الحرب في البلاد رغم محاولات وضع دستور جديد وشامل عام 2017 لكنّ ذلك الدستور لم يكتب له النور نتيجة استمرار الصراع المسلح.

لن نبدأ من الصفر

يضيف الفاضل في معرض كلامه لـ “صالون سوريا”: ” ثمّة دول احتاجت الكثير من الوقت لصياغة الدستور لتعقيد ملفات الانتقال السلطوي كجنوب إفريقيا حيث كان الانتقال الديمقراطي من الفصل العنصري الى الحرية الشاملة عملية طويلة ومعقدة، واستغرقت صياغة الدستور عدة سنوات من المفاوضات والتوافق. لذلك يبدو من الطبيعي أن تأخذ سوريا فترتها الزمنية الملائمة، رغم أني أرى مع الكثير من الزملاء القانونيين والفقهيين أن ثلاث سنوات رقم مبالغ به جداً، فنحن لدينا دستور جامع لعام 1950، إذاً، لن نبدأ من الصفر، فهناك فصول جاهزة بأكملها، ووفق تقديراتي يمكننا خلال نصف عام إلى عام أن نضع على الأقل مسودة دستور”.

وبحسب الخبير فإن اجتماعات جنيف ما بعد القرار 2254 وعام 2015 يمكن البناء عليها لأن جزءاً كبيراً منها كان مرتبطاً بمناقشة آلية وضع دستور جديد للبلاد. وأضاف الفاضل “لذا لا زلت لا أفهم الغرض من المماطلة والبلد تمرّ في أحلك أوقاتها وأكثرها حاجة لعقد اجتماعي ناظم ودستور جديد!”

“دستور بعين واحدة”

يرى الباحث في الشؤون الدبلوماسية أسعد عرفة أنّه لا يجب البناء على الدستور من الصفر، لأنّ هناك فعلياً الكثير مما أنجز منه خلال فترات متباعدة، ولكن كلّ ما نرجوه ألّا يكون الهدف هو وضع دستور جديد بالكامل يتكامل مع ايديولوجية معينة تعنى بها قيادة البلد الجديدة.

ويضيف لـ “صالون سوريا”: “نخشى ألّا يقتضي ذلك الدستور الجديد ببناء دولة مواطنة حقيقية أو فصل للسلطات، وإنما تقديم دستور شرعوي يراعي الحالة التي خرجت من رحمها الفصائل التي حررت سوريا، وهذا مبرر رفض المرحلة السابقة من النقاشات المدنية التي تمّت في جنيف وغيره من دساتير سابقة معمول بها، وبالتالي ترغب الفصائل في وضع نفسها في خانة واحدة”.

وحول تصريحات الشرع حول دستور جامع يُجيب: “في هذه الحالة يجب الاحتكام لمناقشة ما تم إقراره مسبقاً مما يوفر الكثير من الوقت والجهد في حال توافرت النوايا الطيبة بمعزل عن ضغوط داخلية أو خارجية”.

موجبات الوقت الطويل

يؤكد الدكتور والأكاديمي القانوني هادي المنفي خلال حديثه مع “صالون سوريا” أنّ الأسد ترك خلفه “شبحاً” لدولة مدمرة بكل المقاييس المؤسساتية والبنيوية ما شكّل فراغاً كبيراً وإرثاً وتركة ثقيلةً للغاية لمن سيخلفه في الحكم، ما يعني أنّ الحاجة لبناء الدولة ومؤسساتها من جديد سيتطلب وقتاً وجهداً ومشروعاً كبيراً، والدستور السوري جزء منه.

بدورها تبيّن المحامية لمياء قباقيبي أنّ الدستور يجب أن يخضع لاتفاق شامل وأن يعرض كما العرف على الاستفتاء أو أن يكون ممثلا ًبلجنة موثوقة تمثل كافة أطياف الشعب السوري الذين لا ما يزالون على غير وفاق حول تمثيلهم حتى الآن- وبالتالي هناك أيضاً قضية سبعة ملايين لاجئ خارج الحدود في دول المنفى وهؤلاء يشكلون عائقاً كبيراً أمام أي استحقاق كبير على شاكلة الاستفتاء أو الانتخابات المقررة بعد أربعة سنين.

وتتابع: “في حال تمكنت الأمم المتحدة من لعب دور إيجابي فقد لا نستغرق كل هذه المدة لكتابة دستورنا، وتدخل الأمم المتحدة إذا قوبل باتفاق داخلي يسعى لرأب الصدع فإنّه سيثمر نتائج سريعة كما حدث في البوسنة والهرسك أواسط التسعينات خلال اتفاقية دايتون”.

دستور عام 1950 

يرى كثير من الأخصائيين القانونيين أنّ الحل الأمثل كان الاعتماد على دستور عام 1950 بشكل مؤقت لتجنيب البلد الفراغ الدستوري، وهو أول دستور جرى إقراره بعد خروج الانتداب الفرنسي وقد صاغه كبار رجال القانون في الدولة ومن بينهم الرئيس ناظم القدسي. وكان ذلك أول ما يميزه، أما ثاني ميزاته فهي شكله المتقدم في نمط وطريقة إدارة الدولة والبلاد وتنظيمهم مع مبادئ الحكم.

وقد كان الدستور الوحيد الخالص الذي يؤمن الرفاه للسوريين والسوريات والتعددية، ويقيم نظاماً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً يراعي العدالة الاجتماعية في أبهى صورها، إلى أن جاءت الدساتير اللاحقة لتنسف الحياة السياسية والتعددية وتفضي إلى حكم شمولي ذي قطب واحد يدفع اليوم ثمنه السوريون والسوريات.

مواضيع ذات صلة

هاني الراهب متلفعاً بالأخضر 

هاني الراهب متلفعاً بالأخضر 

إحدى وثلاثون سنة من الغياب مضت على انطفاء فارس السرد "هاني الراهب" ومازالت نصوصه تتوهج وتمارس سطوتها وحضورها الآسر على أجيال أتت من بعده تتقرى معانيه وتتلمس خطاه رغم التعتيم والتغييب الذي مورس بحقه على مر الزمن الماضي ومحاصرته في لقمه عيشه بسبب من آرائه ومواقفه،...

الواقعية النقدية لدى ياسين الحافظ

الواقعية النقدية لدى ياسين الحافظ

ياسين الحافظ كاتبٌ ومفكر سياسي سوري من الطراز الرفيع، يعدُّ من المؤسسين والمنظرين للتجربة الحزبية العربية. اشترك في العديد من الأحزاب القومية واليسارية، ويعدُّ الحافظ في طليعة المفكرين التقدميين في العالم العربي، اتسم فكره بالواقعية النقدية، تحت تأثير منشأه الجغرافي...

عبد السلام العجيلي: شيخ الأدباء وأيقونة الفرات

عبد السلام العجيلي: شيخ الأدباء وأيقونة الفرات

يمثل عبد السلام العجيلي ذاكرة تأسيسية في مدونة الأدب السوري، ذاكرة من من ذهب وضياء، ضمت في أعطافها عبق الماضي وأطياف الحاضر، امتازت بقدرته الفائقة في الجمع بين مفهومين متعارضين ظن الكثيرون أنه لا لقاء بينهما، ألا وهو استلهامه واحترامه للتراث وللإرث المعرفي المنقول عمن...

مواضيع أخرى

ظاهرة التكويع السورية على مستوى الأفراد والمنظمات

ظاهرة التكويع السورية على مستوى الأفراد والمنظمات

بعد سقوط الأسد المفاجئ عم ابتهاج لدى غالبية الشارع السوري بكافة أطيافه، حتى لدى من عرف بالموالاة وبعضهم ممن كان يعلن تأييده الكامل للنظام، ولهذا سرعان ما بدأ جرد حسابٍ للمواقف خلال أربعة عشر عاماً من الحرب السورية. وانبرى من يود سلب ليس المؤيدين فقط محاولة التعبير عن...

عمليات القتل المستهدفة للعلويين في الساحل السوري في ظل غياب أية مساءلة للحكومة الانتقالية 

عمليات القتل المستهدفة للعلويين في الساحل السوري في ظل غياب أية مساءلة للحكومة الانتقالية 

انتشرت في الأيام الأخيرة على عدة وسائل إعلام دولية تقارير مقلقة عن عمليات القتل الجماعي الممنهج والمتعمد في غرب سوريا، وهناك حديث عن أدلة متزايدة تُشير لوجود عنف طائفي واشتباكات بين مجموعة تشكلت حديثاً من المتمردين الموالين للأسد ومؤيدي الحكومة السورية المؤقتة. هناك...

اللاجئون السوريون وخطر الترحيل بسبب خطاب الكراهية!

اللاجئون السوريون وخطر الترحيل بسبب خطاب الكراهية!

مع تزايد التوترات في سوريا، لا سيما بعد المجازر التي وقعت في الساحل السوري، باتت الحكومات الأوروبية أكثر تشدداً في التعامل مع أي نشاط مرتبط بدعم العنف أو الإرهاب، سواء أكان ذلك على أرض الواقع أم عبر الفضاء الرقمي. هذا التوجه يعكس التزام أوروبا بتطبيق القوانين الدولية...

تدريباتنا