تشهد قبرص لحظة فارقة في سياستها الإقليمية، في وقت تشتد فيه التغيرات حول المتوسط وتترنّح فيه التوازنات القديمة. من السواحل السورية التي تُطل عليها نيقوسيا عن قرب، تنطلق قوارب الهاربين من الخوف والمستقبل المجهول، ومن أعماق البحر تظهر مؤشرات توتر جديدة تتعلق بالحدود البحرية، ومشاريع الطاقة، ومراكز النفوذ الإقليمي. كل هذا يحدث بينما تتحرك أوروبا نحو إعادة تعريف أمنها وحدودها، وتراجع الولايات المتحدة دورها التقليدي ضمن الناتو، تاركة فراغاً تسعى قوى إقليمية لملئه بسرعة في الشرق الأوسط، وعلى رأسها تركيا والاتحاد الأوروبي.
لم تعد العلاقة بين قبرص وسورية مجرد مسألة دبلوماسية رمادية تُدار بهدوء خلف الأبواب، بل تحوّلت إلى ملف يتقاطع فيه الأمن والهجرة والسيادة البحرية، ويرتبط مباشرة بمستقبل الجزيرة نفسها. حين زار وزير الخارجية القبرصي، كوستانتينوس كومبوس، دمشق في شباط 2025، لم يكن يحمل رسالة بروتوكولية فقط، بل خطة مبدئية لإعادة وصل ما انقطع، بحثاً عن صيغة جديدة للتعاون وسط واقع متحرك ومعقّد.
في لقاءاته مع الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني، طُرحت ملفات حساسة تتعلق بإعادة الإعمار، والبنية التحتية، والاتصالات، وربط دمشق مجدداً بشبكات إقليمية أكثر استقراراً. وتم التحرك على مستوى الاتصالات مؤخراً، حيث طلبت وزارة الاتصالات السورية التعاون من سفير قبرص في دمشق، ميخائيل حجكيرو، لتحديث الربط الضوئي وتوسيع الحزمة الدولية، لمواكبة التطورات وتحسين واقع الاتصالات في سورية.
شهد الحراك القبرصي تجاه سورية تزامناً لافتاً مع إشارات أوروبية أولية نحو تخفيف بعض العقوبات المفروضة على دمشق، ضمن نطاق محدود ومشروط، شمل القطاعات الإنسانية والتقنية. في الوقت ذاته، برزت في واشنطن مواقف جديدة توحي بإمكانية مراجعة تدريجية للعقوبات الأميركية، إذا ظهرت بوادر إصلاح سياسي ملموس داخل سورية. هذه التطورات، التي جاءت بالتوازي مع اجتماع رقمي ضم رؤساء فرنسا ولبنان وقبرص وسورية، فتحت أمام نيقوسيا نافذة سياسية نادرة لإعادة تعريف موقعها الإقليمي، واستثمار اللحظة لإرساء دور فعّال في مرحلة إعادة ترتيب توازنات شرق المتوسط.
ورغم أن الشراكة الاقتصادية تبدو في صدارة أولويات قبرص في علاقتها مع دمشق، إلا أن البُعد السياسي والأمني يظل جزءاً لا يتجزأ من نظرة نيقوسيا إلى الملف السوري. انسحاب إيران من الساحة السورية، ومحاولات إعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية، فتحا المجال أمام قبرص لتطرح نفسها كحلقة وصل محتملة بين سورية والاتحاد الأوروبي، ضمن مناخ جديد يُعاد فيه تشكيل التوازنات. لكن هذه الفرصة مشروطة بتعقيدات متزايدة، أبرزها ما يجري في البحر المتوسط، حيث يتحول الفاصل البحري بين قبرص وسورية إلى مساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي. الاتفاقات البحرية التي تُناقش بين أنقرة ودمشق تثير قلقاً متصاعداً في نيقوسيا وأثينا، وتمتد أصداؤها إلى عمق القرار الأوروبي، ليس فقط بسبب احتمال رسم حدود بحرية جديدة دون تنسيق، بل لما تعكسه من تصاعد الحضور التركي في المشهد السوري، سياسياً وجغرافياً واقتصادياً.
الوجود التركي في الشمال السوري لم يعد مجرّد تدخل عسكري محدود بذريعة التصدي للكيانات الكردية التي تصنّفها أنقرة كـ”إرهابية”، بل بات أشبه بإعادة تشكيل ميداني متدرّج لواقع سياسي وإداري جديد. القواعد العسكرية تتكاثر، والإدارات المحلية تتماسك، فيما تنتشر المؤسسات الخدمية والتعليمية على نحو يعيد ترتيب البنى والانتماءات في تلك المناطق. في المقابل، يشهد الجنوب السوري حالة مختلفة من التمدد، لا تقل خطورة. هناك، توسّع إسرائيل رقعة نفوذها عبر أدوات غير عسكرية، من خلال عمليات مسح أمني ناعم، وعروض للمساعدات الطبية والدعم الإنساني، في مشهد يوحي بتثبيت حضور طويل الأمد بأدوات ناعمة هذه المرة.
هذا النوع من التدخل المزدوج، شمالاً وجنوباً، يعيد إلى الأذهان في نيقوسيا تجربة عام 1974، حين فُرض واقع انقسامي في قبرص عبر سيطرة تركية غير معلنة، أخذت شكل إدارات محلية واجهية. ويشير خبراء أمنيون قبارصة إلى أن ما يحدث اليوم في سورية يحمل ملامح مشابهة، ما يجعل الملف السوري في صميم الحسابات القبرصية، ويُضاعف من يقظة نيقوسيا تجاه أي تغيّر يمس سيادة الدول أو يعيد رسم خرائط النفوذ والديموغرافيا في الإقليم.
وفي مقابل هذا الامتداد التركي والتوغل الاسرائيلي، تحاول قبرص أن تُفعّل أدواتها المتاحة. موقعها الجغرافي يمنحها فرصة لعب دور وسيط إقليمي، لا سيما أنه بات يُنظر إليها من قبل الأوروبيين كقاعدة للمراقبة وجسر للطاقة ونقطة ارتكاز بين ثلاث قارات. في ظل هذا الإدراك الجديد، بدأت نيقوسيا تفكّر بصوت عالٍ: كيف يمكن تحويل هذا الموقع إلى أداة تأثير؟ كيف يمكن ربط البحر بالتعاون لا بالصراع؟ وهل يمكن تأسيس شراكة مع سورية، لا تعادي الموقف الأوروبي والجيران، بل تُكمل مساراته عبر أدوات عملية أكثر مرونة؟
أحد الأبواب المطروحة يتمثل في تعزيز التعاون الاقتصادي والتقني بين نيقوسيا ودمشق، انطلاقاً من البنية التحتية وقطاع الاتصالات، وهي مجالات لا تخضع مباشرة للعقوبات، ويمكن من خلالها بناء ثقة ميدانية. كما يمكن دفع رجال أعمال قبارصة إلى استكشاف فرص ما بعد الحرب، في إطار قانوني يراعي الالتزامات الأوروبية والأمريكية لكنه لا يعطّل المبادرة.
في الوقت ذاته، تحتاج قبرص إلى أن تخرج من مربع ردّ الفعل في ملف ترسيم الحدود البحرية، وتتقدم بمبادرة تفاوضية شاملة تشملها مع تركيا وسورية واليونان وربما مصر، تحت إشراف أوروبي، لإعادة تنظيم المصالح البحرية في شرق المتوسط. هذه المبادرة يجب ألا تقتصر على منع التصعيد، بل أن تبني مشاريع مشتركة في الطاقة والبنية التحتية، وتحوّل البحر من ساحة مواجهة إلى ممرّ مصالح متبادلة وقد تكون باريس عرّابة هذه الخطوة كما شهدنا في اتصال الأوروبيين مع الرئيس الشرع وبحضور الرئيس اللبناني من خلال الاجتماع الرقمي عبر الفيديو.
إن المراهنة على الجمود أو الحذر الزائد، في لحظة تعيد فيها دول المنطقة رسم خرائطها، قد لا يفضي سوى إلى العزلة. ما يجري في طرطوس من انطلاق قوارب اللاجئين، وما يُبنى في جرابلس أو تدمر أو ريف حمص من قواعد “دفاع مشترك” مع تركيا، وما يُتداول في أنقرة ودمشق من تفاهمات بحرية، وما تقوم به إسرائيل من مسح أمني جنوباً.. كلها إشارات إلى أن الأمور تتحرك بسرعة، وأن من لا يواكبها بخطط واقعية سيتحوّل إلى مجرّد مراقب بلا أثر.
لذلك، من المفيد أن يفكر صناع القرار في نيقوسيا ببعد استباقي، لا يتأخر في انتظار التحولات بل يشارك في صنعها. قبرص تمتلك شبكة علاقات أوروبية، وموقعاً استراتيجياً، ومرونة دبلوماسية، وكلها عناصر يمكن أن تُستخدم لصياغة تفاهمات جديدة أكثر عدلاً واستقراراً.
أما في دمشق، فإن التعامل مع قبرص بوصفها شريكاً لا تابعاً، وفتح قنوات صريحة حول الملفات البحرية والأمنية، قد يمنح الحكومة السورية فرصة لإعادة التموضع الإقليمي من موقع الفاعل لا المتلقّي. فكلما ازدادت القوى المتوسطة بين سورية وأوروبا، كلما تقلّصت الحاجة للوصايات الدولية أو المحاور المغلقة.
المتوسط يُعاد تشكيله اليوم، فيما تقف قبرص وسورية أمام اختبار تفاهم يتجاوز خطوط المياه، ليطال التاريخ والجغرافيا ومستقبل المنطقة. هذا التفاهم، إن لم يُبنَ على قاعدة من المصالح المتبادلة والاحترام المتوازن، فستكون الفوضى المقبلة شاملة، وقد تغرق القوارب مهما اختلفت دوافع ركابها قبل أن تلامس ضفة الأمان.
في الخلفية، تتصاعد موجات اليمين المتطرف، وتتشدد السياسات الأوروبية في وجه الهجرة، بينما تتفاقم الضغوط الاقتصادية، ما يجعل الملف السوري في قلب المأساة. وسط هذا المشهد، تتحرّك عواصم كبرى كباريس وبرلين نحو مقاربات أكثر واقعية تجاه دمشق، بينما تبدأ نيقوسيا، بحذر محسوب، اختبار مرونتها الخاصة في مواجهة ما هو آت.
بعد سقوط الأسد المفاجئ عم ابتهاج لدى غالبية الشارع السوري بكافة أطيافه، حتى لدى من عرف بالموالاة وبعضهم ممن كان يعلن تأييده الكامل للنظام، ولهذا سرعان ما بدأ جرد حسابٍ للمواقف خلال أربعة عشر عاماً من الحرب السورية. وانبرى من يود سلب ليس المؤيدين فقط محاولة التعبير عن فرحهم، بل حتى كل من بقي بالبلاد أو لم يتعرض لأذى النظام ومن صمت عن المقتلة السورية معتبرين ذلك تغيير مواقف، متناسين الأسباب التي تركت الناس بين سندان النظام ومطرقة بطشه، وأن صمت الكثيرين تحت سقف النظام كان دافعه الأول الخوف من بطش النظام الأسدي الذي أدرك الجميع وحشية منظومته الأمنية بعد فتح السجون.
وظهر حس السخرية من المؤيدين وخاصة الشخصيات العامة من فنانين ورموز عرفت بتأييدها الكامل للنظام المخلوع في مصطلح التكويع، وهو لفظ عامي يعني تغيير الموقف والالتفاف 180 درجة لتغيير جهة السير عند حدوث طارئ.
تأذى من ذلك كثيرون ممن فرحوا حقاً بسقوط النظام وكانوا قد وصلوا إلى أوج المعاناة الاقتصادية وبدأوا بالتململ منذ فترة ليست بالقليلة قبل سقوطه، ولا يحق لأحد أن يتجاهل كثيراً من الأسر التي باعت منازلها لتستطيع تهريب أولادها إلى خارج البلاد هرباً من خدمة العلم التي صارت كابوساً. ومع سحب حق إشهار المواقف ضد النظام بعد سقوطه في عبارة لازمة: “وين كنتو في السنوات الأربع عشر الماضية حين كان الأسد يقتلنا”، كان من الطبيعي أيضاً أن تتوقف الأنظار عند تناسي مواقف أشخاص كانوا داعمين للنظام، بل في مكنته العسكرية وقبول وجودهم مجدداً، وظهورهم العلني إلى جانب شخصيات في الإدارة السياسية وفي نشاطاتها دون خجل.
ويبدو أن هذا التكويع صار أسلوباً سورياً، فمن الملفت للانتباه اليوم بعد ما جرى في الساحل السوري أن كثيراً من الشخصيات في المقلب الآخر موجودة في أوربا بدأت تمارس نفس السلوك، إذ بعد أن كانت تمارس الخطاب الطائفي والتجييش والحض على القتل والانتقام حتى وصل بها الأمر إلى حد التفاخر بالإبادة للطائفة العلوية، والتحريض عليها علناً دون خجل، ظهرت بعد أيام متباكية ومعتذرة بعد أن اكتشفت أن الدول الأوربية لا ترضى بهذا السلوك وتعتبر ذلك خطراً على أمنها و فعلاً بدأت بملاحقة من يثبت أنه يفعل ذلك لإعادته إلى بلاده.
ما الذي يجعل السوريين على مفترق طرق:
إن صمت الحكومة والإدارة السياسية الجديدة عن محاكمة ومحاسبة رموز وداعمي النظام القديم ترك للشارع الشعبي مهمة منح الانتماء الوطني للبعض وسحبه من الآخر حسب رؤية متحركة وليست ثابتة إذ هي عرضة للمزاج والمنظور الشخصي والطائفي ولا يحكمها القانون. ولعل هذا تبدى للبعض على أنه حالة ديموقراطية في التعبير، ولكنه في الحقيقة لا يتماشى مع سلوك الدولة التي عليها أن ترعى عقداً اجتماعياً يصون ويحمي المجتمع والحقوق على قدم المساواة والعدالة مع جميع المكونات. ولهذا كان شعار العدالة الانتقالية ملحاً لإنقاذ الشارع السوري من الانقسام والتردي في مهاوي التخوين والإقصاء.
والجدير بالذكر أن سكان حي التضامن خرجوا في تظاهرة رافضة لظهور المسؤول عن مرتكبي مجزرة التضامن مع مسؤولين من الإدارة الجديدة في الحي وأصدرت مجموعة السلم الأهلي بياناً ضد ذلك.
هذا الانقسام بالشارع السوري كان سببه تأخر القضاء عن القيام بمهمته في تحقيق العدالة الانتقالية التي كانت ستكون فيصلاً في وضع الإدارة الجديدة أمام مسؤولياتها في المجتمع الجديد، وسحب شهادات الانتماء للوطن من يد جهة معين منه.
أما عن ظاهرة التكويع الجديدة الحاصلة بين المحرضين على الكراهية كما وصفتهم الدول الأوربية، فهي تعكس ما وقع فيه الشباب المهاجر من انغماس شديد بالفكر المتطرف الإقصائي والحقد الطائفي الكبير، والقدرة على تسويغ العنف بمبرر ديني وإلهي. لا نختلف أن النظام السابق زرع الحقد الطائفي ليحافظ على بقائه لكن التطرف استلمه ورعاه واستثمره في نهجه ومشروعه على مدى السنوات الأربعة عشر السابقة وذهب به نحو تشويه حقيقة الصراع بين السلطة والشعب إلى صراع بين طائفتين. ورغم حجم الدعاية للتطرف الديني الكبير في الخارج، لم تقم أوربا بمحاصرة هذا الفكر إلا في الإطار الذي يخدم مصالحها فهي تخاف على نفسها منه ومن العمليات التي يقوم بها من حين لآخر لكنها حريصة على تصديره إلى بلدان العالم الثالث حين تود توظيفه في سياستها.
تتفق نسبة عالية من السوريين على أن هذا الفكر الحاقد غريب عليها وأنهم يميلون للتعايش إلا أن قمع السلطة التي احتمت بالطائفة العلوية جعل الطرف الآخر يميل للاحتماء بالفكر الديني الذي يتراوح بين الاعتدال وبين التطرف. وكما قال المفكر محمد كامل الخطيب إن الإنسان عند فقدانه الانتماء للمواطنة سيلجأ للانتماء الذي يحقق له الأمان من انتماء طائفي أوديني أو قبائلي أو عائلي لأن هذا يحقق له الأمان في ظل غياب الانتماء للوطن وغياب المنظمات والأحزاب السياسية التي تهتدي بفكر سياسي يقوم بوضع هدف للنضال والسعي إليه.
منظمات مدنية تحض على الكراهية و العنف والتجييش الطائفي :
لم يقتصر التشوه على الحياة السياسية ومستوى الأفراد، بل تعدى ذلك إلى المنظمات المدنية التي عليها أن تكون حيادية وتحافظ على دورها الإنساني وأهدافها التي ترعاها منظمات عالمية وتقرها حقوق الإنسان.
ظهر منذ فترة فيديو لفريق يدعى عبق يعمل في منطقة الباب وريف حلب يقوم بتوزيع وجبة إفطار على الناس المارين في الشوارع، كتب على أكياس الوجبة عبارات طائفية وتحض على العنف.
وبعد أن تمت إدانة ذلك بشدة من قبل صفحات التواصل الاجتماعي قدم الفريق اعتذارين متتاليين عن فعلته، ثم قيل إنه تم إيقاف عمل الفريق ونشر نبأ اعتقال أفراد منه ليظهر مرة أخرى في صورة متداولة تحت عبارة ساخرة من نبأ الاعتقال.
ليس هذا بالتحديد ما يثير الاستنكار لدى المتابعين، بل لأن سخرية الفريق من نبأ اعتقاله لا تعني فقط الاستمرار بالنهج والقناعة بهذا الفكر بل هو أيضاً شبه تنصل من الاعتذارين وعدم اعتراف بالخطأ الذي تم ارتكابه بل وتحدي للرأي العام.
كانت عملية سقوط النظام السوري مدوية وكاملة كبنيان سياسي لكن متى يسقط بناء التعصب والإقصاء الذي غرسه أولاً النظام داخل الأفراد وأفرزته سنوات الحرب منذ اندلاع الثورة مع كل معاناة الناس الممتدة عبر هذه السنين، وهل ستقوم السلطة الجديدة بما يخفف الاحتقان خاصة بعد الإبادة الجماعية التي جرت في الساحل السوري على خلفية تأجيج الوضع الأمني من قبل شرذمة فتيحة وأعوانه. هل ستكون لدينا سلطة تتجه نحو بناء الدولة التي تحقق أماني كافة أفراد المجتمع؟
انتشرت في الأيام الأخيرة على عدة وسائل إعلام دولية تقارير مقلقة عن عمليات القتل الجماعي الممنهج والمتعمد في غرب سوريا، وهناك حديث عن أدلة متزايدة تُشير لوجود عنف طائفي واشتباكات بين مجموعة تشكلت حديثاً من المتمردين الموالين للأسد ومؤيدي الحكومة السورية المؤقتة. هناك مزاعم أن المجموعة الموالية للأسد تتألف بشكل رئيسي من أفراد من الأقلية العلوية ويقودها شخصيات معروفة مثل مقداد فتيحة والقائد السابق للواء 42 التابع لنظام الأسد غياث دلا. وقد دعا المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة بالفعل إلى اتخاذ إجراءات سريعة، ووعد الزعيم السوري الجديد، أحمد حسين الشرع (المعروف أيضاً باسم أبو محمد الجولاني)، بتشكيل لجنة للتحقيق في عمليات القتل الانتقامية الجماعية التي تحدثت عنها التقارير على نطاق واسع. ما يبدو أنه ينقص معظم هذه التقارير هو بيان واضح يشير إلى الطابع المنهجي والمتعمد لقتل العلويين في المحافظات السورية: اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة.
تُظهر التقارير التي نُشرت مؤخرًا أدلة مصورة لا لبس فيها أن هناك عدداً قليلاً من المواطنين الأوروبيين المتجنسين من أصول سورية في الخارج من الداعمين لأحداث العنف في سوريا والمحتفين بها أيضًا. مع ذلك، ليس هذا هو الدليل الوحيد المثير للقلق: يبدو أن أولئك الذين يروجون لخطاب الكراهية ويحرضون على العنف مدفوعين برغبة لجذب الانتباه. فهم يضخّمون خطابهم لجذب الانتباه وزيادة عدد المشاهدين وزيادة الشهرة والأرباح المالية. كما أن مقاطع الفيديو البارعة التي يشاركونها عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي على غرار ”تيك توك“ تشجع على الفظائع التي تُرتكب بسوريا ويستخدمون في الفيديوهات أنغاماً جذابة تُساهم بزيادة العنف.
في مقال نُشر مؤخرًا في صحيفة “المشاهد“، يصف بول وودز المواد الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي التي تمثل الفظائع بقوله: ”إنهم يصورونها، ويحتفلون بها، وينشرونها على موقع X.” هناك مقاطع فيديو من سوريا ”تُظهر مقاتلين إسلاميين يجبرون الرجال العلويين المذعورين على الجثو على أيديهم في وضعية للركوب ومن ثم العواء مثل الكلاب“. ويتم إجبار الضحايا على ”الزحف على طول شارع ملطخ بالدماء بينما يقوم مسلح ملتحٍ بضربهم بعصا. تأتي الكاميرا لتستقر على نصف دزينة من الجثث. ثم نسمع طلقات البنادق.“
ومن بين المنشورات البغيضة على وسائل التواصل الاجتماعي لقطات فيديو واسعة النطاق، تم تصوير معظمها من قبل الجناة أنفسهم، والتي تقدم دليلاً واضحاً على تورط الجماعات المسلحة الموالية للحكومة الحالية في هذه الفظائع. وتصف العديد من روايات شهود العيان كيف يتنقل رجال يرتدون الزي الرسمي من منزل إلى آخر في الأحياء العلوية والمسيحية للاستفسار عن الهويات الدينية للأشخاص ومكان إقامتهم قبل القيام باعتقالات جماعية. كما أن هناك تقارير شهود عيان تتحدث عن عمليات إعدام جماعي معلنة قبل حدوثها. وقد راح ضحيتها عائلات بأكملها، بما في ذلك الأطفال والرضع. وفي حين أن العلويين هم المستهدفون في المقام الأول، إلا أن بعض المسيحيين الشرقيين لم يسلموا من هذه الإعدامات أيضاً، أو المسلمين السنة الذين يشتبه في إيوائهم للسكان العلويين المستهدفين.
إن تصوير الجناة الساخر لأنفسهم في هذه الفيديوهات -أي فسادهم المطلق- لا يعرف حدودًا. إن كراهيتهم المجردة من الإنسانية واضحة وجلية. تُرمى الجثث في الخنادق أو تُحرق أو تُترك على جانب الطريق لتتعفن. تُدمر المنازل بشكل منهجي ثم تُحرق. كل هذا لضمان حرمان الناجين من أي وسيلة للبقاء على قيد الحياة. حتى أولئك الذين يتمكنون من الفرار يتم اصطيادهم في المناطق الجبلية النائية حيث يُجبرون على العيش على العشب وأوراق الشجر، وفقًا لتقارير شهود عيان منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.
أدلة موثقة لمقتل محمد حسن وعائلته في منزلهم في حي القصور في بانياس (تُنشر هنا بإذن من معتز محمد حسن، شقيق الضحية).
يجب أن تتم محاسبة الحكومة السورية المؤقتة وهيئة تحرير الشام على الفظائع التي تحدث تحت أنظارهم. يجب أن تتم محاسبتهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي ممنهج ومتعمد للعلويين، كما رأينا في حالة عائلة حسن.
فقد أُعدمت العائلة بأكملها داخل منزلها حوالي الساعة 1:30 بعد ظهر يوم الجمعة 7 مارس 2025 في حي القصور في بانياس: محمد حسن (مُدرس رياضيات)، وزوجته لينا جنود (مُدرسة علوم)، وابنتهما منيسة البالغة من العمر ثلاث سنوات (كما أكد شقيقها لاحقاً)، ووالدته ندى عبد الله. وقد تم التشكيك في صحة الصورة المجهولة مع الجثث، ونُسبت في البداية إلى جرائم ارتكبت في مناطق أخرى، مثل أوكرانيا والعراق، إلا أن منصة تأكد السورية فندت ذلك مؤكدة صحة الصورة. وتلقي المجازر المستمرة وانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بها، والتي تظهر علامات واضحة على التطهير العرقي، بظلال قاتمة على مستقبل سوريا.
التزمت وسائل الإعلام الدولية بالصمت حيال هذه القضية لفترة طويلة، فيما يبدو أنه اتفاق ضمني يُطبق أيضاً على تعاملها مع الأحداث الجارية في سوريا. وقد ساعدت العديد من الصور الإعلامية على نشر روايات مضللة وخطاب تحريضي ضد العلويين الذين يشار إليهم بشكل رئيسي على أنهم مؤيدون للأسد وبالتالي جناة. وبالفعل، لا يُنظر إليهم كضحايا إلى حد ما. ما لا يتم تسليط الضوء عليه إعلامياً هو أن العديد من العلويين شاركوا بنشاط وعلانية في المظاهرات والمقاومة ضد نظام الأسد. وقد سُجن العديد منهم لعقود من الزمن في ظل حكم حافظ الأسد (1970-2000) وابنه بشار (2000-2024)، أو تعرضوا للتهديد بالقتل من قبل النظام.
حتى الآن، لا يوجد إشارة واحدة إلى إجراءات قانونية موعودة أو مضمونة تعالج جرائم الحرب التي ارتكبها نظام الأسد، والفظائع التي ارتكبها تنظيم القاعدة، أو داعش، أو النصرة، أو غيرها من الجماعات المرتبطة الآن بهيئة تحرير الشام الحاكمة. إن الفشل في معالجة فظائع الماضي والعجز عن منع ارتكاب المزيد من الفظائع يمثل فرصة ضائعة بشكل لا رجعة فيه للحكومة الانتقالية وداعميها لإظهار التزام حقيقي بالوحدة الوطنية.
يواصل العلويون الآن توثيق الفظائع التي تحدث في قراهم وبلداتهم، بدلاً من أن يجدوا السلام والأمان في ظل الحكومة الجديدة. بالنسبة للكثيرين ممن شاركوا في الانتفاضة ضد نظام الأسد، يبدو الأمر بالنسبة لهم وكأنه استعادة لما حدث في الأشهر الأولى من الانتفاضة في عام 2011. فقد ساهمت التصورات السائدة والمبسطة جداً والتي تختصر نظام الأسد بأنه ”نظام علوي“ بتشكيل ذريعة للقوات شبه العسكرية والأمنية الموالية للحكومة الحالية للقيام بعمليات تطهير عرقي وقتل جماعي. ووفقًا للباحث السوري البروفيسور باسيليوس زينو (جامعة ترينت، كندا)، فإن ”أعمال العنف هذه ليست مجرد انتقام لمقتل العشرات من قوات الأمن العام التابعة للحكومة الجديدة بالقرب من جبلة (محافظة اللاذقية) في 6 مارس/آذار، بالإضافة إلى هجمات مشابهة شنها متمردون مؤيدون للأسد في عدة مناطق في اللاذقية وطرطوس كما تكشف لاحقاً، بل هي أيضًا محاولة لإلقاء اللوم على الطائفة العلوية بأكملها بسبب جرائم الأسد، وبالتالي التحريض على مزيد من الصراعات العرقية“.
إن الأدلة التي تم جمعها حتى الآن بدقة وحرفية من قبل المرصد السوري لحقوق الإنسانوالشبكة السورية لحقوق الإنسان وفرقهما من المهنيين والمتطوعين هي أدلة كبيرة ولا يمكن إنكارها. بالنسبة للباحثين القانونيين الذين يعملون على هذه القضية، فإن الأدلة ترقى إلى شكل متعمد ومقصود من أشكال التطهير العرقي، على الرغم من أن الأدلة الملموسة التي جمعها الضحايا يتم تدميرها بشكل منهجي من قبل الجناة. ومع ذلك، تعمل بعض منظمات حقوق الإنسان مثل هيومن رايتس ووتشوالمركز السوري للعدالة والمساءلة بنشاط مع الأفراد المتضررين لجمع الأدلة والتحقق من الشهادات.
إن الطبيعة الممنهجة والمدبرة والمتعمدة لعمليات قتل العلويين لا يمكن التشكيك فيها في ضوء المعلومات التي توفرها مراكز التوثيق كما ذكرنا أعلاه. ويحذر البروفيسور زينو، المطلع على البيانات الأولية مثل الأرقام الإحصائية لحصيلة القتلى، والمعني مباشرة بشهادات الناجين، من أن عمليات القتل هذه ”يمكن أن تصبح من أكبر المذابح الطائفية إذا قارنا عدد الضحايا مع الفترة الزمنية القصيرة التي تم القتل فيها، وإذا استمرت موجة القتل على هذا النحو فتمكن مقارنتها بالإبادة الجماعية في رواندا (1994) ومذبحة سربرنيتشا (1995)“. إذا ما اختار الاتحاد الأوروبي وحكوماته التزام الصمت حيال هذا الموضوع، فإنهم سيصبحون في نهاية المطاف متواطئين في الجرائم ضد الإنسانية ذاتها التي قد تُحاسب عليها الحكومة المؤقتة في سوريا أمام المحكمة.
“هذا أقسى رمضانٍ أشهده منذ ولدت، وكأنمّا الخير تلاشى دفعةً واحدة، فطرنا في اليوم الأول على شعيرية سريعة التحضير، لا بأس بها، لا تكلف الكثير”، تقول الحاجّة أم لطفي المنحدرة من ريف دمشق في حديثها مع “صالون سوريا” مبينةً أنّ شهر الخير من عامٍ لآخر يفقد بهجته ورونقه ومعهما قدرة الناس على الإيفاء بطقوسه المميزة. وتوضح الحاجّة أنّها خلال خمسين عاماً من عمرها لم ترَ شحّاً وحاجة أناس كما في رمضان هذا، وفي الوقت نفسه ترفض تحميل القيادة الجديدة مآل الأمور في إشارةٍ إلى أنّ الحال كان يسوء بطبيعة الحال من شهرٍ لآخر في عهد النظام السابق، ومن السابق لأوانه إلقاء المسؤولية على عاتق حكومة بالكاد أمضت أشهراً ثلاثةً في حكم بلدٍ مزقته ويلات الحرب وصراعاتها وعطلت ملفاتها الاقتصادية.
أسوأ من سابقه
“وهل جهزتُ شيئاً لرمضان الفائت لأجهز شيئاً لرمضان هذا، الناس عايشة من قلة الموت”، يقول ربّ الأسرة المنحدر من ريف دمشق شعبان منصور خلال حديثه مع “صالون سوريا” مستعرضاً سوء الأحوال المعيشية التي تعصف بالبلاد، مؤكداً أنّ رمضان الحالي هو الأقسى على السوريين منذ سنوات طويلة، معتبراً أنّ مجاعةً جماعية تحل بالعائلات التي لم تعد تجد سبيلاً لتأمين قوت يومها بعد أن كانت بيوتها ذات يومٍ عامرةً بالخير والفرح.
وعن ذاك الخير يتحدث السيد شعبان شارحاً أنّه ثمّة بهجةٌ ناقصة، بهجةٌ ناقصةٌ على الرغم من تحرير البلاد من نظام الأسد المخلوع وزبانيته، لكنّ القيادة الجديدة وجدت نفسها أمام ملفاتٍ اقتصادية موغلةٍ في التعقيد وعلى عاتقها إطعام شعبٍ، وفي محاولة لترميم اقتصاده أحالت مئات الآلاف من موظفيه إلى رفّ البطالة كما حدث مع ولده الذي فُصِل من القطاع الصحي بعد أن كان معيلاً لأسرته براتبه الشحيح وإمكاناته المحدودة. ويضيف: “منذ زمنٍ نسينا كيف يكون شكل رمضان، كيف تكون متطلباته، هذا الشهر الذي كنا نقضيه داعين أو مدعوين للفطور أو السحور، الآن بطون الناس خاوية كما جيوبها، وكان رمضاننا الأخير ممعناً في قسوته على موائدنا، فإن كنّا قضينا الفائت على حواضر المنزل والشوربة، فعلى ماذا سنقضيه هذا العام، على الخبز الحاف وأنا الذي أعمل على بسطة وفي منزلي زوجةٌ وأربعة أولاد؟”
من يتحمل المسؤولية
تشتري أم أحمد وهي سيدة من دمشق احتياجات منزلها بالحبّة الواحدة، حبّة خيار، حبّة بندورة، حبّة ليمون، تشتري ما يكفي ليومٍ أو اثنين، رفاهية الشراء دون النظر إلى الخلف باتت معدومةً لدى السوريين منذ زمن، وتؤكد في سياق حديثها مع “صالون سوريا” أنّها تصوم شهر رمضان بكل تأكيد، ولكنّ شيئاً لن يتغير في يومياتهم، يكتفون بالحدّ الأدنى من الطعام المتاح، وجبات منزلية سريعة التحضير، أو بضع تمرات، أو لبن وأرز ولكنّ هذا الخيار لن يتكرر كثيراً وفقاً للظروف الاقتصادية. وتشرح أم أحمد الوضع: من سوء حظ حكومتنا الجديدة أنّها لم تستقر تماماً قبل استقبال شهر الخير، فلم تستطع أن تجري تغييرات كبرى على الأرض، لا أفهم كثيراً في السياسة والاقتصاد وليس مطلوباً منا أن نفهم ذلك، ولكن من المطلوب أن نعرف أنّ النظام المخلوع هو من أوصلنا إلى هنا، لو كنا في رمضان الفائت شبعنا وسنجوع في رمضان هذا لقلت إنّ العلّة في الحكومة، ولكننا من رمضان إلى آخر جائعون، فمن يتحمل المسؤولية؟”
الآن ازداد الفقر
لا يبدو الحال ببعيدٍ في أسرة الممرض راضي السالم الذي فُصِل من وظيفته بشكل تعسفي بعد سقوط النظام، وكان من بين 400 ألف موظف آخر لقوا المصير نفسه. وعن هذا يقول: “لقد فصلت القيادة الجديدة 400 ألف موظف من وظائفهم، وأوقفت رواتب نحو 600 ألف آخرين من متقاعدين ومسرحين من المدنيين والعسكريين قبل الحرب، ما يعني أن مليون عائلة فقدت معيلها، وانضم إلى قافلة الجياع ملايين جدد وجميعنا نعلم أنّ الأمم المتحدة تصنف 90 بالمئة أساساً من الشعب السوريّ تحت خط الفقر المباشر، الآن ازداد الفقر، ولم يعد رمضان شهر الخير، صار جرحاً جديداً في صدر أيامنا التي نتعرض فيها لكل أنواع القهر، القهر الذي جعلني عاجزاً عن تأمين مأدبة طعام واحدة خلال كلّ أيام رمضان التي مضت”.
بيروقراطية التوظيف
يرى الخبير الاقتصادي شهير ملح أنّ النظام السابق نجح بصورةٍ مطلقة في تدوير بيروقراطية التوظيف الحكومي تحت اسم البطالة المقنعة في محاولةٍ لاحتواء الولاءات وإن كان ذلك مقابل أجور زهيدة لا ترقى لتكون معوناتٍ في أفضل الأحوال. ويضيف الخبير الاقتصادي: “الشعب السوري تاريخياً بأطبائه ومهندسيه وخريجيه الجامعيين وغير المتعلمين، جميعهم يمتلكون توجهاً نحو الوظيفة الحكومية لما تشكله من موئل آمن ومصدر رزق ثابت رغم تهاويه حتى بلوغ متوسطه عشرين دولاراً شهرياً، وعلى الرغم من ضآلة المبلغ إلا أنه كان يشكل ضمانةً لاستدامة المعاش الشهري الذي يقتضي احتساب عنصر الديمومة في انتفاء البطالة التي بلغت أشدها اليوم، وهو ما جعل الناس تشعر جماعياً بأنّ شهر رمضان هذا هو الأقسى منذ عقود”.
لا جود بالموجود
وعلى الرغم من أنّ الناس تتبادل الابتسامات والتهاني في أولّ رمضان يمرّ دون حكم عائلة الأسد منذ زهاء نصف قرنٍ أوأكثر، ولكنّ ذلك لا يشكل تمايزاً عن الحال الذي دفع بالعائلات لتفطر على الخبز والزيت والزعتر كما هو الحال في أسرة رفيدة جوباني التي تقيم في دمشق.
والتي أكدت في حديثها مع “صالون سوريا” أنّهم سيقضون شهر رمضان بالإفطار على ما توافر من المؤونة المختزنة في منزلهم، متغاضين قسراً عن إمكانية إضفاء أجواء البهجة المفتقدة التي تقتضي التزيين وتقديم الحلويات للضيوف وتنويع أصناف المائدة التي باتت تتقلص يوماً تلوَ آخر، قائلةً: “أيامٌ رمضانية كأيامٍ عاديةٍ في أشهر سابقة، الطعام بما توافر”.
وتستبعد ربّة المنزل أن يزورها الضيوف كما جرت العادة، لأنّ الزيارة تردّ بزيارة حسب الأعراف والتقاليد، لكن الآن على حدّ تعبيرها- أصبحت الزيارات ثقيلة، لعلم الناس أنّ ليس بمقدورهم تقديم أنواع الضيافة وأنّ الجود بالموجود سيكون محرجاً ومتنافياً مع عادات شهر الخير.
إقبال ضعيف وحلويات شعبية
يستقرئ معين الشامي صاحب أحد محلات الحلويات في حي الميدان الدمشقي واقع شهر رمضان من ضعف مبيعاته، مؤكداً أنّ الإقبال أكثر من خفيف على شراء صنوف الحلويات التي اعتاد بيعها من قبل موضحاً أنّ الناس التي تستطيع شراءها تُقبل على شراء الحلويات الشعبية من البسطات. ويضيف السيد معين: “اليوم لتكون المائدة عامرة فإنّها ستحتاج لصرف مبلغٍ يتجاوز 20 دولاراً، وهو المرتب الشهري لمن لم يفصل من عمله بعد، ولذلك يبدو مستحيلاً على معظم العائلات أن تتمكن من وضع موائد تحتوي على الأصناف الرئيسة من الأطباق المعتاد عليها وضمناً اللحوم والفواكه والحلويات والعصائر بعد الإفطار. يبدو رمضان هذا قاسياً على الفقراء الصائمين وحرمهم من إتمام مظاهر بهجته والفرح بمظهر الموائد التي باتت تتقلص ولم ينتهِ الشهر بعد، فكيف ببقية أيامه”.
الحال من بعضه
سما سرور فتاةٌ من دمشق موظفة في القطاع الخاص، تقاضت راتبها الذي يبلغ قرابة أربعين دولاراً في اليوم ما قبل الأخير من شهر شباط/فبراير المنصرم، اشترت بعض الحلويات الشعبية وظروفاً كثيرةً من العصير كما تقول، وعادت إلى المنزل ببعض الدجاج، مع وضعها خطةً صارمةً لإمضاء شهر الصيام وهي المعيلة الوحيدة لوالديها.
وعن تلك الخطة تقول: “لا سحور، هذا القرار الأول، في الأسبوع الأول تمكنت من المناورة الجزئية ببقايا راتبي ليكون هناك كلّ يوم طبخة واحدة وبالحدّ الأدنى، وبعد ذلك سيكون علينا تكملة الشهر بما توافر من طعامٍ يومي اعتيادي للمنزل، ربما بعض الماء وحبات التمر والطبخات الخفيفة غير المكلفة، إلّا أنني أعول على أنّ شركتي قد تمنحني سلفةً أتمكن من خلالها من الحفاظ على روتين الأسبوع الأول في وقت لاحق من الشهر، ولربما استضافة بعض الأقارب الذين سيقدرون بلا شكّ الظروف العامة في البلد، وفي هذه الأحوال لا أحد لدينا يدين الآخر أو يعيب عليه، فالحال من بعضه”.
حالةٌ تسوء من شهر لآخر
يكتسب رمضان خصوصيته من الحالة الإسلامية العامة في سوريا، ومن طقوسه المبهجة التي اعتادها السكان قبل الحرب التي عصفت ببلادهم قبل نحو عقد ونصف، ومن غير المنصف القول إنّ رمضان الفائت أو الذي قبله كان أفضل بكثير، بل هي الحالة تسوء من شهر لآخر منذ سنوات مضت.
فقد يبدو رمضان كشوال وشعبان وذي الحجة وغيرهم في سياق تتابع الأشهر، كمثل شباط وآذار ونيسان، فالبلد المحطم اقتصادياً والذي يرزح تحت أشد العقوبات وطأة في التاريخ الحديث لم يتمكن حتى الآن من إيجاد سبلٍ للخلاص.
فحين نقول إنّ سوريا قد فُرض عليها الكثير من العقوبات الدولية، بينها قانون قيصر الأميركي الأكثر تأثيراً، وقتذاك يمكن الاستقراء أنّ تشابكاً اقتصادياً معقداً أدخل البلد في نفقٍ مظلم أدى لتجويع سكانه المحرومين من التصدير والاستيراد وإعادة الإعمار وتهيئة البنى التحتية والارتقاء بالأحوال المعيشية.
نظامٌ دمر بلداً
ومن نافلة القول إنّ النظام السابق يتحمل المسؤولية عمّا وصلت إليه سوريا من فقر وحاجة وتضخم وحبس سيولة ومضاربة على عملتها المحلية وبطالة وسوء إدارة، وكلّ ذلك كان ناجماً عن تهجير رؤوس الأموال عبر فرض ضرائب غير منطقية على أعمال أصحابها، وجعل سوريا بيئة غير مناسبة للاستثمار، وغير آمنة.
علاوة على ذلك توجه النظام في إحكام قبضته الاقتصادية من الاشتراكية نحو الشمولية الدكتاتورية المرتبطة بشخص الحاكم عبر الجباية المنظمة وتشليح الناس أموالهم واعتقال رجال الأعمال بغية فرض أتاوات عليهم، واستخدام ملف المخدرات كمصدر مستديم لتدفق الأموال على رجالات السلطة بعيداً عن البحث عن أي عملية إحياء أو إنماءٍ اقتصادي ينتشل سوريا وسكانها من قاع الفقر، وهو ما أكده تقرير صدر مؤخراً عن الأمم المتحدة، يفيد بأنّ سوريا بحاجة إلى خمسين عاماً على الأقل للتعافي الاقتصادي والعودة لمستوياتها الطبيعية قبل الحرب.
دور وزارة الخارجية
وفي حين تبدو وزارة الخارجية السورية الجديدة قد تمكنت من أداء دورٍ فعال على مستوى الملفات الخارجية أسفر عن رفع بعض العقوبات الأوروبية إلى أنّ ذلك لم يكن كافياً طالما أن البنك المركزي والتجاري وهو المعني بالتداول الخارجي بالقطع الأجنبي ما زالا محاصرين، بحسب الأكاديمي في العلوم الدبلوماسية ناصر زيدان. والذي يشرح الوضع موضحاً أن: “مسؤوليات جمّة ألقيت على عاتق الوزارة الوليدة، وإن كان نجاحها في مكانٍ يحسب لها، ولكنّها ما زالت مطالبة ببذل المزيد من الجهد والضغط والانضمام لمنتديات عالمية وقروض مانحين دوليين وتهيئة بيئة آمنة وخصبة للاستثمار في سوريا بالتضافر مع بقية الجهات المعنية، وهو ما يتطلب علاج آفات سنواتٍ طويلة من الحرب التي أتت على كلّ مرافق البلاد الحيوية والصناعية والتجارية لتجعل من مجرد لفظ اسم سوريا أمام المستثمرين كابوساً في ظلّ تعقيد المشهد على الأرض”.
وحتى ذلك الحين لا يمكن الفصل بين خصوصية رمضان وطبيعة بقية أشهر العام والحال الاقتصادي لعموم السوريين الذين يحتاج 3 من كل 4 منهم لمساعدات إنسانية–بحسب الأمم المتحدة وهو ما يجعل التركة الثقيلة أكبر من أن تعالج في أشهرٍ قليلة وأكثر قسوةً على بطون السوريين وجيوبهم، وأكثر إجحافاً في حقهم وهم المنتظرون فرجاً في السيولة والكهرباء والغاز والماء والنفط.
حلول فوق إسعافية
وحول كلّ ذلك يجمل رؤوف أسعد وهو مهندسٌ مدني بقوله: “أعان الله بلداً ساكنوها يقتاتون من حاويات القمامة، ويتخلون عن سحورهم، ويفطرون بما حضر، ولا يبيتون الليل تفكيراً بالغد المظلم وكيف سيأمنون فيه قوت يومهم، ومن المفارقة أنّ المسيحيين صائمون معنا هذا العام قسراً في بلدٍ بات عنوان اقتصاده البسطات المنتشرة في كل مترٍ من الشوارع، بسطات يبنى عليها اقتصاد بلدٍ يحتاج حلولاً فوق إسعافية لرأب الصدع الذي نهش جسده.”
بعد سقوط نظام البعث وهروب قادته، كان الساحل السوري هادئاً. لا خوف، لا تنكيل، لا اعتقالات، لا تهديدات، لا اغتيالات، لا قتل. أصبحت سوريا موحّدة وهادئة، دون نعراتٍ طائفية أو عنصرية. حسناً، حدثت بعض الحوادث هنا وهناك، لكنّها كانت فردية ومحدودة ولا يمكن اعتبارها معياراً. هكذا تقول سردية قنوات وصحف النفط العربي، وأفواج دعم الجولاني، رغم القصص اليوميّة واحتلال سوريا من ثلاث دول: تركيا وأميركا والكيان الصهيوني!
فجأةً، ظهر “فلول النظام” وقتلوا رجال الأمن في حادثة خارجة عن كل السياقات، ما عدا وجود مؤامرة خارجية يقودها داعمو النظام السابق. انفجر الفضاء في الساحل السوري على أشدّه، وفاضت الدماء في القرى والمدن. ومع فيضان أجساد المدنيين ووسم أسمائهم بنعي الأرض، لم تكن وحوش القاعدة ونسل داعش وسرايا الذبح التكفيري الطائفي، المتمثلين برداء الدولة و”الثورة”، من فعلها. بل كانوا “فلول” المجرمين المتآمرين من استخدم المدنيين “دروعاً بشرية”. هذا ما تؤكّده قنوات وصحف النفط العربي على لسان “مسؤولٍ أمني”، ويسوّقه ناشطو السلطة القائمة في مواقع التواصل الاجتماعي لتكريس رؤية واحدة للمشهد.
ربما، لم تجد هذه القنوات والصحف أيّة مصادرٍ تنقض السردية المعلنة دون دليل. وربما لم يتعلم مراسلوها المسؤولون عن تغطية أحداث الساحل السوري أسس الصحافة. وربما نسي المسؤول الأمني شحن هاتفه، ففاتته عشرات الفيديوهات والصور الملتقطة من “رجال الأمن” أنفسهم. وربما لعبت الخوارزميات لإخفاء نداءات أهالي الساحل السوري من صفحات الناشطين في العالم الرقمي.
وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، حتى الثالث عشر من مارس/آذار 2025، وصلت حصيلة الشهداء إلى 1476 شهيداً مدنياً، منهم ما يتجاوز 1390 شهيداً من الطائفة العلوية. كما حذر المركز من آلية دفن الضحايا في مقابر جماعية، خشية استغلال المقابر كذريعة لتغطية الجرائم وطمس الحقيقة.
قبل عام ونصف، ومنذ الساعات الأولى من شن الكيان الصهيوني حرب الإبادة على غزة، بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وظّف المسؤولون والسياسيون في العالم الغربي ذريعة استخدام حركة حماس المدنيين دروعاً بشرية كأحد أبرز الاتهامات والمزاعم التي مرّروا من خلالها حجّة موقفهم السياسي والأخلاقي من عدد الضحايا والشهداء الفلسطينيين.
بعدها بثلاثة أسابيع، قرر الكيان الصهيوني ضرب مستشفى الشفاء، بحجة وجود مركز عسكري لكتائب القسام. هُجّر الآلاف من محيط المستشفى، وأخرج مئات المرضى والمصابين. اكتشفت بعد إفراغ المستشفى وهجوم جيش الاحتلال جثث ١٧٩ شهيداً. كانت حجة جيش الاحتلال أن حماس استخدمت المدنيين دروعاً بشرية.
بعدها اشتد قصف جيش الاحتلال وتوحشّه على القطاع كله ضُربت البيوت والمدارس والمساجد والكنائس والمستشفيات ومراكز الرعاية والخيام. ازداد عدد الشهداء؛ آلاف تعلوها آلاف، غالبيتهم من الأطفال والنساء. كرر الكيان الصهيوني المبرر ذاته مجدداً: كانوا دروعاً بشرية.
يعرف مصطلح “الدروع البشرية” استخدام الأشخاص المحميين من القانون الدولي الإنساني – المدنيين والأسرى – أو حركة المدنيين لحماية الأهداف والعمليات العسكرية من الهجوم أوالإعاقة. هناك نوعان من الدروع البشرية: الطوعية حيث يعرض الأشخاص أنفسهم للخطر بهدف حماية أو إعاقة شيء ما، وغير طوعية حيث يستخدم الأشخاص جبراً لأغراض عسكرية.
حسب القانون الدولي، استخدام الدروع البشرية جريمة حرب تتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية الجهة أو الجماعة التي توظّف المحميين من القانون الدولي الإنساني لأغراض عسكرية.
في مقالة بعنوان “مبرر قانوني للإبادة الجماعية” يذكر الباحثان نيف غوردن ونيكولا بيروجيني، صاحبا كتاب “دروع بشرية: تاريخ بشر على خط النار”، استخدام الكيان الصهيوني ذريعة الدروع البشرية كمبرر لقتل الفلسطينيين في غزة، مستتراً وراء غطاء “قوانين الحرب” وفجوات القانون الدولي للنفاذ من تبعات جرائمه. لم تكن حجّة الكيان حديثة. فمنذ الانتفاضة الثانية حتى اليوم، تذرّع الكيان الوحشي بالدروع البشرية لتبرير جرائمه. غير أن عشرات تقارير المؤسسات الحقوقية والتحقيقات الصحفية فضحت كذب الكيان وأدانته مباشرة.
في حرب الإبادة على غزّة، ابتكر جيش الاحتلال شكلاً جديداً من الدروع البشرية، حيث أرغم المدنيين الفلسطينيين على ارتداء بدلات جيش الكيان العسكرية وإدخالهم إلى الأنفاق والمباني والبيوت في غزة لكشف مواقع مقاتلي الفصائل الفلسطينية. وفي حال موت المدنيين، يلقي جنود الكيان عاتق القتل على رصاصات الفصائل!
عودةً إلى الساحل السوري، ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها تهمة الدروع البشرية في سوريا. فقد وثّق استخدام “جيش الإسلام” نساءً سوريات في أقفاص حديدية كدروع بشرية. كما اتهم النظام السوري السابق ايضاً استخدام المدنيين دروعاً. تقاذفت الفصائل المتحاربة على مدى سنوات اتهام بعضها بذات الجريمة.
تكمن خطورة استخدام تهمة/حجة الدروع البشرية في المعارك والحروب في تعقيدات تبعاتها القانونية، لأن التحقيقات الجنائية والحقوقية لها ضوابط وشروط خاصة. أما في خضم التناحر الطائفي، فإن آلية دمج الفتاوى الفقهية والمبررات القانونية لإباحة الدماء عواقب مهولة ومخيفة قد تتجاوز فظاعاتها ومآلها ما يستوعبه العقل.
ريم، ابنة الساحل السوري، كانت تحتضن ابنتيها بخوف الأم وذاكرة أربعة عشر عاماً من الحرب، مراقبةً الباب الذي قد يخلعُ بأي لحظة. قد تكون قذيفة. قد يدخل جنود النحر وأكلة الأكباد. “إن القتلة يمتلكون الحكاية والشاشة والجمهور” هذا ما قالته ريم في لقاء صحافي.
يتوهّم كثيرون أن الديمقراطية صارت قاب قوسين أو أدنى في سورية، وأن الدول العربية والإقليمية، وقوى الداخل المنتصرة، ستقبل بتعدد الأحزاب وبإنشاء نظام ديمقراطيّ قائم على تداول السلطة وعلى الأغلبية السياسية، لا الطائفية، وأن البيانات الختامية للمؤتمرات ستُطبق على أرض الواقع حيث تتواصل الانتهاكات وعمليات القتل والاعتقال خارج إطار القانون. إنّ ما يريده الغرب في سورية، هو وأتباعه من الدول العربية والإقليمية التي توظّف المال السياسي في دعم جماعات بعينها، نظام تابع يطبّق الإملاءات الاقتصادية والسياسية الإقليمية، ومن خلالها الدولية. وبما أن رياح السوق الحرة تهب في أنحاء العالم من دون أي عائق يُذكر، نرى الآن أنه قد فُتحت لها بوابة للدخول إلى سورية بعد أن أُزيلت الحواجز من طريقها بعد فرار رأس النظام السابق من العاصمة. وفي الأيام التي أعقبت الثامن من كانون الأول\ ديسمبر ٢٠٢٤ سمعنا أكثر من تصريحٍ حول تحرير الاقتصاد في سوريا حتى قبل أن يثبّت النظام الجديد قدميه بشكل جيد على أرض السلطة، وبدأ التسريح التعسفي لموظفي القطاع العام.
صار من النافل القول إن أنظمة الغرب القائمة لا تريد الخير لسورية على صعيد بناء الدولة الديمقراطية كي تبقى سوقاً للسلاح ومصدراً للطاقة، ومفككة ومتحاربة بينياً لتظل إسرائيل هي الأقوى. ويؤكد الواقع الجديد، الذي نتج عن حرب غزة ولبنان، التفوق الإسرائيلي تحت مظلة الدعم الغربي، وتتويج إسرائيل كحاكم مطلق للفضاء العربي وجغرافيته السياسية. وتجلى هذا في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة حول منع أية قوات من دخول جنوب دمشق، كما تجلى في التحليق المنخفض لطيران الاحتلال الإسرائيلي فوق موكب جنازة الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في لبنان.
إن نظاماً ديمقراطياً حقيقياً هو الحل الأمثل لسورية ذات الأديان والأعراق والأقوام والقوميات والثقافات المتعددة إلا أنه يبدو أكثر بعداً من المريخ عن الواقع السياسي، أو يبدو كما لو أنه قُذف إلى الثقوب السوداء لمستقبل غير واضح المعالم. علاوة على ذلك تخلو الساحة السورية من أحزاب وقوى سياسية مؤهّلة وفعّالة قادرة على أن تشكّل أعمدةً لبناء الدولة المدنية الديمقراطية، خاصة بعد أن وجّه نظام الاستخبارات البعثي المنهار ضربةً قاضية للنشاط السياسي الحقيقيّ المستقل بأشكاله كافة في سورية كي يبقى الدكتاتور وحيداً على العرش بلا منافس. فضلاً عن أن الجغرافية السورية، صارت بعد حرب طويلة مدمرة، ساحة لتلقين تعاليم القوى المنتصرة، وهي في جوهرها أصولية بحتة في شقّيها الشيعي والسني. وينبغي ألا تفوتنا الإشارة إلى أن قوى اليسار لم يعد لها وجود يُذكر في الشارع السوري من ناحية الفعالية والعمق الثقافي والتأثير السياسي. كما أن حزب البعث لم يكن له أي رصيد في الشارع السوري كونه كان ملحقاً بالجهاز الأمني. وفي هذا الجو المُفْرَغ من البدائل تبدو سورية مجرد كعكة للاقتسام شارك بنهشها الإيراني والروسي في حقبة النظام المتبخر، الذي دعمه العرب والغرب والإيرانيون والروس لوأد الثورة السورية في مهد بداياتها المدنية كي لا تصبح ظاهرة قابلة للتصدير. وثمة مؤشرات الآن على أن الشركات التركية بدأت بتهيئة نفسها كي تنهي ما تبقى من الكعكة. وبدأ سيلان لعاب مقاولي حزب العدالة والتنمية، الذين ثبت تورطهم في تركيا في بناء أبنية بعد عام ٢٠٠٠ لا تطابق المعايير والمواصفات، انهارت كلّها في زلزال مرعش بحسب مقال لعالم الاجتماع التركي هارون إركان قال فيه إن استراتيجية تراكم رأس المال لدى حزب العدالة والتنمية تعتمد بشكل كبير على النمو السريع في قطاع العقارات والتسامح البيروقراطي مع الانتهاكات المنهجية للقواعد والقوانين على المستويين المحلي والوطني.
بصرف النظر عن إشكالات الداخل التركي ما يهمنا هنا هو احتمال قائم بأن تتحول سوريا إلى سوق لتركيا وإلى مصدر للأيدي العاملة في المشاريع التركية، بعد أن صارت مصدراً للمقاتلين المرتزقة العابرين للحدود الذين يبعثهم الجيش التركي للقتال أينما يشاء. وإذا ما اعتُمد اقتصاد السوق الحر في سوريا على أنقاض ما تبقى من القطاع العام فإن هذا يعني، في ضوء التسريح الجماعي المتلاحق للموظفين من دوائر الدولة ومؤسساتها، والتوجه إلى تحرير الاقتصاد، أن الشركات الخاصة قادمة لا لكي تبني اقتصاداً جديداً يلبي احتياجات السوريين بل كي تمتص ما تبقى من دماء في شرايين سورية وتوسّع هامش الفقر.
خرجت سوريا من ركام حرب طويلة مدمرة تركت أثراً عميقاً في نفوس أبنائها، وزعزعت هويتهم، ما أدى إلى انقسامات طائفية حادة. ويبدو أن السوري الآن أصبح غائباً عن المعادلة بوصفه مواطناً سورياً يتمتع بحقوقه، وينتمي إلى مجتمع سوري في إطار الدولة السورية. بدلاً من ذلك، أصبح وجوده مرتبطاً بهويته الطائفية أو انتمائه إلى أحد المكونات التي أصبحت مصطلحاً شائعاً في الإعلام اليوم. وفي ظل الحديث المتواصل عن إمكانية بناء نظام ديمقراطي في سوريا، والدعوات المتزايدة لتحقيق ذلك، خرج المؤتمر الوطني بنقد صريح للأشكال السياسية المستوردة، ما ترك صورة النظام القادم ضبابية وغير واضحة المعالم. ما يشي به هذا هو أن النظام الديمقراطي التمثيلي ليس من أولويات الأجندة السياسية، وهو ما يكشفه التهرب الذكي من الإعلان عن موقف واضح، والتصريحات المتباعدة التي تظل تطفو في جو من الغموض السياسي، ذلك أن القوى التي تدعم التحوّل في سورية، تريد حراساً للمصالح وللحدود لمنع الهجرة وتهريب المخدرات، ويلتزمون بأمن إسرائيل. ولن يُسمح بأن تصبح سورية دولة ديمقراطية في سياق دول عربية غير ديمقراطية تحتاج لأموالها، وبوجود أنظمة غربية لا يهمها إلا أرباح شركاتها ومنع الهجرة، وأمن إسرائيل وفي هذا درسٌ من السهل أن يتعلّمه السوريون وهو أن الديمقراطية والدولة المدنية مصلحة سورية صرفة لا تخدم إلا الشعب السوري هذا إذا كان يهمه أن يعيش في دولة مواطنة وتمثيل وتداول للسلطة، وأن يخرج أبناء سورية من قوالب الطوائف التي أُفْرغوا فيها نحو المواطنة الحقة المسلحة بحقوق يحميها القانون وتخدمها السلطة المنتخبة، وتجعل كرامة الإنسان السوري وحقوقه فوق كل اعتبار.
إن التعامل مع إرث النظام السوري المتبخّر ليس مسألة سهلة ذلك أن القرار الذي اتخذته العصبة الأمنية العسكرية السورية الهاربة، تحت مظلة علاقاتها الإقليمية والدولية، لشن الحرب داخل المدن السورية ضد السوريين المتمردين على حكم الأسد مزّق الروابط بين مكونات المجتمع السوري، التي يمكن أن ندافع على أساسها عن انسجام اجتماعي سوري، أو إمكانية بناء هوية سورية جديدة، ولكننا رغم كل ما حدث نستطيع أن نراهن دوماً على شيء في سورية يمكن أن نسمّيه الوطنية العميقة لدى أبنائها والتي، رغم ألم الجراح التي تثخن الجسد السوري، يمكن أن تشكّل رافعة لسورية الجديدة مهما طال الزمن، وعليها وحدها يمكن التعويل للتخلص من بقايا الدكتاتورية العسكرية ومنع عودتها إلى المشهد بأية طريقة، ومنع سلطة الأمر الواقع من أن تتمترس أيديولوجياً وتفرض الدولة الدينية وتنطح الاحتمال الديمقراطي بقرنيْ العقيدة وفكرة الأغلبية.
إن الحلم الديمقراطي في سورية أمر قابلٌ للتحقق لكنه يحتاج إلى تضافر جهود الجميع، وإلى تفانٍ وتضحية وتعال على الجراح لن يكون سهلاً. ويمكن تخيل ما ستؤول إليه الأمور من خراب في حال فَشِلَ السوريون في بناء شكل حكم حضاري راق يعتمد المواطنة والتمثيل وتداول السلطة ديمقراطياً والعدالة الانتقالية داخل بنى دولة القانون.
إن الطريق إلى الديمقراطية وعر ومليء بالمطبات لكن السوريين قادرون على اجتيازه، وإن في عمقهم الحضاري وذكائهم وتعدديتهم الثقافية وانفتاحهم ما يمكن التعويل عليه بقوة من أجل المستقبل.