by هيفاء بيطار | Sep 25, 2020 | Cost of War - EN, Uncategorized
أتابع يومياً أخبار أحبتي في سوريا، ويُذهلني هذا التدهور الكبير في معيشة السوريين، ولم أكمل خمسة أسابيع في إقامتي في باريس لكنني أشعر أنني تركت اللاذقية منذ سنة. و كل الشعب (السوري كلون يعني كلون) يُعاني ما لا طاقة لإنسان أن يتحمله، لكنهم مجبرون على التحمل، انقطاع الكهرباء الطويل لساعات تزيد عن أربع ساعات وفي هذا الحر الشديد جعلت السوريين يطيش صوابهم وصاروا يسخرون من قطع الكهرباء بأن يكتبوا على صفحاتهم على الفيس بوك أو صفحات التواصل الإجتماعي: (اليوم كل السوريين رح يتغدوا بازيلا وفول). دلالة عل فساد المؤونة في البرادات، ويأتي ذل قطع الماء لينافس ذل قطع الكهرباء.
ليست الحسكة وحدها عطشى بل كل سوريا، الماء يأتي بالقطارة، والغسالات تعطلت واحترقت بطاريتها، ولا يملك هؤلاء المعذبون في سوريا سوى الكتابة. إحدى السيدات كتبت (ألمي رح أنهار، ألمي أساس الحياة الخ). اعتقدت أنها تتحدث عن ألمها (أي كلمة ألمي من الألم)، لكن المسكينة تتحدث عن الماء وتكتب بالعامية (المي)، اتصلت بها هي تعيش مع إبنتها فقالت: (الماء بالقطارة، مستحيل نقدر نجلي الصحون ونغتسل وننظف البيت، كل يوم نخصصه إما للجلي أو الاستحمام أو مسح البلاط أما الغسالة فاحترق مولدها بسبب لنقطاع الماء “وسعر الغسالة اليوم في سوريا مليون ونصف المليون”.) الغلاء الفاحش لأسعار المواد الغذائية وربط هذا الغلاء باحتكار التجار، وطوال أسبوع احتل ارتفاع سعر البيض في سوريا صفحات التواصل الاجتماعي حيث وصل سعر البيضة إلى 200 ليرة سورية!!! وطالبت إحدى السيدات أن يمتنع كل السوريين عن شراء البيض لمدة شهر لمعاقبة التجار!!! يا لروعة اقتراحك يا سيدة!! الطفل يحتاج البيض كل يوم تقريباً لينمو فكيف ستحرمين أطفال سوريا من البيض!! وبالتأكيد هم محرومون منه لأنه لا قدرة لأهاليهم على شرائه خاصة إذا كانت الأسرة تتكون من عدة أطفال، وتأتي مهزلة القروض المدرسية ذلك أن وزير التربية مصر أن يلتحق التلاميذ بالمدرسة ومتوسط عدد الطلاب في المدارس السورية خاصة الحكومية بين 50 إلى 70 طالباً وتجد ثلاثة طلاب يجلسون في مقعد واحد محشورين كتفاً لصق كتف، ومراحيض المدرسة مزارع جراثيم وأوبئة والمياه فيها مقطوعة. كما أنه في العديد من المدارس تتكوم هضاب الزبالة في المداخل، وتنسجم هضاب الزبالة مع رداءة التعليم.
صار سعر الحقيبة المدرسية من أرخص أنواع النايلون حوالي 40 ألف (ما يعادل راتب شخص واحد عند الحكومة السورية)، وسعر القلم ألفين أو أكثر، ولا زيادة قرش في الرواتب!! بل الدولة السورية تقدم قروضاً للأهالي كي يشتروا اللوازم المدرسية لأولادهم تحديداً من مؤسسات الدولة، وغالباً بضاعة هذه المؤسسات رديئة ومُخزنة منذ سنوات! ولا يخطر لمسؤول سوري أن يتساءل: كيف سيسدد هذا الأب المسكين القروض الطلابية من راتب الاحتقار الذي بالكاد يكفي لشراء الخبز. ويصفع وزير التربية السوري الأهالي بقرار أنهم مجبرون (رغم الارتفاع الكبير جداً في إصابات كورونا في سوريا) على إرسال أولادهم إلى المدرسة، وأن الطالب إذا تغيب أربعة أيام عن المدرسة بدون عذر يُفصل من المدرسة. هذا هو رهاب التعليم في سوريا، وتوصيف رهاب التعليم هو أدق توصيف لتهديدات وزير التربية الذي لا يبالي بصحة التلاميذ ولا برغبة الكثير من الأهالي ألا يرسلوا أولادهم إلى المدرسة في زمن جائحة كورونا. وطبعاً لا يخفى على أحد رداءة التعليم وفساده في سوريا وأن صفوف البكالوريا خاوية تماماً في كل سوريا ويعتمد الطلاب على المعاهد أو الدروس الخصوصية، وثمة العديد من الأهالي الذين أخذوا قروضاً من المصرف ليسددوا أجور الدروس الخصوصية أو باعوا أثاث منزلهم أوغيره من الاجراءات.
رغم هذه الظروف الكارثية فإن البعض يقول نحن بخير ويخونون من تركوا الوطن ويسخرون منهم في غربتهم ويقولون لهم سوف تذوبون في الغربة ولا أحد سيهتم بكم وسوف تذبل حديقة بيتكم ويتكدس غبار النسيان على أثاث بيوتكم. عجيب هذا المنطق التخويني اللاإنساني، كيف تتجاهلون العنف المروع الذي اضطر ثلث الشعب السوري لينزح ويرمي نفسه في البحر بعد أن دمرت البيوت والقرى والمدن ولم يبق لديهم سوى حياتهم عساهم يحافظون عليها إذا ساعدهم الحظ ووصلوا إلى بلاد اللجوء التي تحترم الإنسان. هؤلاء الخونة عديمو الإحساس الذين يكتبون كل يوم على صفحاتهم نحن بخير هم يدعمون نظاماً يوغل في تجويع شعبه وإهانته؛ فحين ينشرون كل يوم صوراً لبحر اللاذقية وبعض شوارعها الجميلة (ولم تعد اللاذقية جميلة على الإطلاق إذ تجد في زقاق بناء من ثلاثين طابقاً)K أو تضع إحداهن في أزمة شح الماء وعطش الحسكة وتفجير خط الغاز الذي جعل كل سوريا تغرق في الظلام في هذا التوقيت تماماً صورة لمدرسة بوقا الزراعية وتكتب ما أجملها، فهذا أشبه بطعنة الغدر، لأننا في قلب مأساة إنسانية مروعة أمام مشاهد لذل وجوع وحرمان الطفل السوري أن يأكل بيضة، الحديث عن جمال بعض الأمكنة في هكذا ظروف كارثية هو خيانة وهو غدر وهو تماهي مع المعتدي والتمثل بسلوكه كما أبدع الدكتور مصطفى حجازي في كتابيه (سيكولوجية الإنسان المقهور، وسيكولوجية الإنسان المهدور) في وصف وتحليل ظاهرة تماهي المُضطهد مع المعتدي أو من يضطهده وتقليد صفاته.
أعرف أن بحر اللاذقية جميل وأحن إليه، لكنني كنت أصور هضاب القمامة على شواطئه، وحين يتفرج العالم كله على الشعب السوري الجائع والعطشان واليائس والذي توحده عبارات هي: “عايشين من قلة الموت”، و”خلينا ساكتين أحسن”، و”الحيط الحيط ويا رب السترة”؛ وحين يتفرج العالم كله على طابور من رجال ونساء وأطفال سوريا واقفين تحت لهيب شمس تموز وآب بإنتظار رغيف خبز سيء (لأن الأفران ينقصها المازوت حتى تخبز الخبز كفاية) ولا أحد من هذا الحشد قادر أن ينطق بكلمة احتجاج أو يقول: “آخ”، لأن قبضة الأمن تنقض عليه فهو يتذمر والوطن ضحية مؤامرة، وعلى الشعب أن يتحمل مع الدولة نتائج المؤامرة. الحديث عن الجمال ونشر صور لبعض المناطق الجميلة في سوريا هو خيانة وانعدام إحساس بآلام الشعب السوري، والحديث عن الجمال في هذه الظروف الكارثية في سوريا هو تماماً وتحديداً إعلان ولاء للنظام.
سوريا ليست بخير والسوري في سوريا ليس بخير، كفوا عن النفاق والخيانه بأن تمطرونا كل يوم بصور اللاذقية الجميلة، كسب الجميلة، صلنفه الجميلة (التي سرق الشبيحة كل بيوتها) ولصقها قرية سلمى التي سوتها البراميل المتفجرة بالأرض وهج سكانها ومات تفاحها الأطيب في العالم. توقفوا عن الحديث عن الجمال فهو خيانة في زمن الموت والحداد. وأحب أن أختم بهذه القصة؛ فمنذ أسبوعين قصدت السفارة البريطانية من أجل الحصول على فيزا لزيارة إبنتي وزوجها وفوجئت أن السفارة البريطانية في باريس تغص بمواطنين من غينيا لدرجة اعتقدت أنني أخطأت في العنوان وبأنني في سفارة غينيا وحكيت مع ابنتي فقالت لي: “أمي أتمنى أن يتم قبول كل الناس من غينيا يعني نسيت كم عانت إفريقيا من الإستعمار”، وتابعت متسائلة: “يعني أنت تعتقدين حال السوري أفضل من حال مواطن من غينيا.” فعلاً خجلت وأحسست بطعنة ألم في قلبي. وضع السوري اليوم هو الأسوأ في العالم. سوريا ليست بخير والسوريين ليسوا بخير. لا تزوروا الحقيقة ولا تخونوا شعب سوريا بالحديث عن الجمال.
by الحسناء عدرا | Sep 24, 2020 | Cost of War - EN, Reports - EN, Uncategorized
تنهمك في شهر أيلول أيادي ربات البيوت السوريات في إعداد المؤونة، ويسبق هذه العملية أسابيع طويلة من التحضير وخطوات كثيرة، تبدأ بشراء أطنان من أكياس الطماطم والخيار وأوراق الملوخية والبازلاء والفول الأخضر وسواها، مروراً بنزع القشور عنها ثم جمعها وتجميدها. ولمن لا يعرف بيت المؤونة، فهو عبارة عن ركن، يشترط أن يبنى في منطقة أخفض من باقي أرجاء المنزل، على أن يكون بارداً وغير مشمس، يُتخذ كمستودع لتخزين الطعام، تحفظ فيه شتى أنواع المأكولات الشتوية. ويتصدر المكدوس، طليعة هذه الأطعمة التي تُوضع على موائد العائلات السورية ولصنعه، يتوجب على النساء سلق كميات هائلة من الباذنجان بما يتناسب مع أعداد أفراد الأسرة، وتلطيخ أيديهن في خليط ممزوج من الفليفلة الحمراء الحارة وقطع الجوز المفروم، إلى أن تستشعر أصابعهن الناعمة طعم الخريف.
اعتاد السوريون في مطلع شهر أيلول من كل عام على ممارسة هذا الطقس الجماعي كعادة شعبية منذ عقود عديدة، فيبدأون باقتناء بعض البقوليات والخضار والفواكه وتخزينها في الثلاجة حديثاً، وبيت المؤونة سابقاً، لتناولها في فصل الشتاء. غير أن موجة الغلاء الأخيرة حالت دون قدرة البعض على تموين الطعام، لاسيما أنه جاء بالتزامن مع افتتاح المدارس وشراء الحاجيات الضرورية، ما شكل عبئاً إضافياً على كاهل الأسرة السورية.
ما أن تطأ قدمك أسواق الخضار في العاصمة دمشق، حتى تلمس الفرق الشاسع في الأسعار للصنف الواحد، بحجج الجودة والمصدر. تساوم أم إبراهيم بحدة على سعر كيلو الفليفلة الحمراء المفرومة الذي وصل سعره إلى 6000 ليرة، متفاجئة بفارق الأسعار بين سوق وآخر لا يفصل بينهما سوى شارع واحد. تقول للبائع بصوت مرتفع: ”لسا من شوي شفتو أرخص من هيك، 3500 ليرة وأنظف من هاد، كتير غالية هيك”. وما أن تتقدم بضعة أمتار حتى يتناهى إلى سمعك صوت بائع آخر يضيف ألف ليرة أخرى على صنف الفليفلة، وعند السؤال عن سبب الزيادة يجيب بثقة: “نخب أول، لا مثيل له في السوق، أتحداكِ أن تشتري مثله”، والأمر ينسحب على الجوز والباذنجان والبقوليات وغيرها.
تصف أم إبراهيم الأعباء المادية والمصاريف الإضافية التي سببها إعداد المكدوس في شهر المونة (أيلول) قائلة: “أنفقت قرابة 100 ألف على تحضير 40 كغ من المكدوس، هذا المبلغ يعد باهظاً بالنسبة لصنف واحد من أصناف المؤونة، أي يعادل قرابة راتب شهرين، هذا ما لم نتحدث عن الأنواع الأخرى، لكن لا يمكن الاستغناء عن هذا الطبق اللذيذ في فصل الشتاء، فهو أساسي على مائدتنا.”
سياسة الاستبدال
تتجه صفاء إلى خيار أقل كلفة في محاولة منها لتقليص نفقات المونة واستثمار مواهبها التي اكتشفتها مؤخراً في الترشيد الاقتصادي التي أصبحت مجبرة على استخدامها في ظل ارتفاع مكونات طبق المكدوس، خاصة الجوز، إذ تلجأ إلى استبدال حشوة فستق العبيد عوضاً عن الجوز المفروم، وعن ذلك تقول: ”وصل سعر كغ الجوز إلى 16 ألف ليرة، وفي أماكن أخرى بلغ 25 ألف، لذلك استغنيت عنه نهائياً، واستبدلته بفستق العبيد، كبديل اقتصادي، طعمه لذيذ لكنه لا يعادل طعم الجوز، أفضل من لا شيء“. بينما ذهبت ولاء لخيار أكثر كلفة بقليل وهو استخدام ثمرة اللوز، عوضاً عن الجوز: “فثمنه مقبول مقارنة بالأخير، فالكيلو الواحد يبلغ 4000“. بينما تضيف سيدة أخرى: “الحمد الله، ولادي مابحبو المكدوس، وفروا علي كتير مصاري”. فيما اتبعت العديد من الأسر السورية سياسة “النصف” عبر تقليص الكميات المعتادة والاكتفاء بكميات محدودة.
من جهتها، لم تصرف رجاء (معلمة في الصف الابتدائي) ليرة واحدة على تحضير المكدوس والسبب حسب قولها: “تملك عائلة زوجي شجرة جوز وأرض زراعية يزرعون فيها جميع أنواع الخضار ومنها الباذنجان ،أخذنا حصتنا، ما كنت سأعد المكدوس لو أنني سأصرف عليه مالاً.” وتضيف مازحة: “لو بقدر بيع الجوز، كنت بعتو، حقو هلق تقريباً 25 ألف”.
كورونا ترفع الأسعار
فعلت كورونا ما لم تفعله سنوات الحرب التسع في سورية، فلم تشهد البلاد مسبقاً غلاءً فاحشاً بالأسعار كالتي تعيشه الآن والذي يطال كل نواحي الحياة دون أن يقتصر على جانب واحد. يعقب شاب (رفض مشاركة اسمه) على هذا المشهد الغارق في الواقعية: “كلفة مؤونة هذا العام مضاعفة عن العام السابق، دوبلت الأسعار على خلفية كورونا بمبررات واهية كضعف الإنتاج مقابل زيادة الطلب، لاسيما مادتي الجوز والزيت إلى جانب الحصار الاقتصادي على البلاد”. بينما حذفت أم جبير فكرة مؤونة الشتاء هذا العام من قائمتها لصالح تأمين المستلزمات الدراسية لأطفالها الأربعة، تقول السيدة: “كان علي الاختيار بين شراء القرطاسية وملابس المدرسة وتخزين الطعام لفصل الشتاء، تعليم أولادي أهم، سنعتمد هذه السنة على المحاصيل الشتوية في غذائنا”.
الكهرباء تفسد مؤونة السوريين
مع الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي لساعات متواصلة في كافة المحافظات السورية، تسبب هذا الوضع بإفساد المؤونة وتكبد السوريين لخسائر مالية لم تكن في حسبانهم، كأم خالد التي أفرغت حمولة ثلاجتها من فول وبازلياء وبامية وملوخية والتي تقدر بحوالي 200 ألف ورمتها في القمامة بعد أن تُلفت بسبب غياب الكهرباء لفترات طويلة، بينما اضطرت لينا إلى استخدام المؤونة المخزنة من لحوم وخضار وطبخها كي لا تفسد.
by أسامة إسبر | Sep 19, 2020 | Culture - EN, Poetry - EN, Uncategorized
يصدر قريباً عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع في الأردن مجموعة شعرية جديدة بعنوان ”علىطرقي البحرية“ للشاعر والمترجم السوري المقيم في أميركا أسامة إسبر.
تجدر الإشارة إلى أن أسامة إسبر، شاعر ومترجم سوري يعمل محرراً في موقع “جدلية” وموقع “تدوين للنشر” وكصحفي ومترجم مستقل. صدرت له أربع مجموعات شعريّة هي “شاشات التاريخ”، “ميثاق الموج”، “تتكررفوق المنفى”، و”حيث لا يعيش”. كما صدرت له مجموعتان قصصيتان هما “السيرة الدينارية” و”مقهى المنتحرين”.
ومن أحدث ترجماته عن الإنجليزية “الكاتدرائية“ و”أساليب شائعة” لريموندكارفر، رواية “أسنان بيضاء” لزيدي سميث، “الفناء الإسمنتي” لإيان مكيوان، ورواية “التراب الأميركي” لجينين كمنز، ورواية “كندا” لرتشارد فورد، ورواية “توقيعه على الأشياء كلّها” لإليزابيث جلبرت، جوزف أنطون (سيرة ذاتية) لسلمان رشدي وغيرها من الكتب الأخرى.
اخترنا القصيدة التالية من المجموعة الشعرية:
خطوات من زبد
القمرُ فوقكَ يُضيءُ نفسهُ،
وعلى مذبحكَ
تقدّمُ الأمواجِ أضحياتها لإلهٍ من رمل.
أنظرُ إلى ضوء الشمس المائلة للغروب
وهو يسرق تقاطيع الأشياء
وأقول:
هل أسمع صوتَ بحركَ يتموّج
أم اضطراب أعماقي؟
أراك منفصلاً عني
معلقاً كلوحةٍ في فضاء
أحاول أن أقرأه بلغةٍ،
ابنةِ اللحظة،
فيغلبني الصمت.
يا شاطئ أسيلومار
أشعر كأنني أسيرُ
على شاطئ حياتي
بخطواتٍ من زبد.
********
ظلال
كان لظلالنا حضورٌ،
آثارُ أقدامٍ على الرمال.
كانت دليلاً على أن أجسادنا مرَّتْ من هنا،
تحت شمس الظهيرة،
التي كانت تسوقُ قطيع الظلال
بأسواطٍ من الضوء،
كي تعانق الأمواج
في حفلاتِ الزبد.
كان المحيط يتسلّى بأعشابه
يرسم بها أشكالاً
سُرعان ما يمحوها،
ولم يكن يجاريه في مهنته أحد.
********
قطعة خشب
قطعةُ خشبٍ
طرحَها البحرُ على الرمال.
كانت فيما مضى طريقاً مُورقاً
سارت عليه الثمار.
كانت متكأً
عتبةً لحضورات أطلّت بوجهها.
كان اللحاء متقشّراً
بدا كبشرةٍ
تتجمّع فيها فراغات المنفى.
شعرتُ لوهلةٍ أنها يد
حركّت أصابعها كي تصافحني
وصدقاً شعرتُ بملمس تلك الأصابع
وسرتُ على الشاطئ كالمجنون
باحثاً عن عودٍ أو غيتار
ورقة أو قلم
كي أنقلَ الرسالة.
********
جناح محلق
ثمة مدنٌ
تقرأ شهواتها
في جناحٍ مُحَلِّقٍ
تتعرّى في النهار
تُبرِّدُ البيرة متلهّفةً
كي تَروي ظمأها
وتمسح الرغوة وهي تبتسم
ثم تعيش لحظتها
في رقصةٍ أو أغنيةٍ أو عناق.
تتمدّد على شواطئها وتسترخي
تمسّد ظهر الضوء كأنه كلبٌ.
by الحسناء عدرا | Sep 17, 2020 | Roundtables - EN, Uncategorized
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات“
لم يمضِ أقل من أسبوع على حفلة “الردح” التي جرت بين وزير التربية السوري درام الطباع وعميد كلية الطب البشري في جامعة دمشق نبوغ العوا بخصوص العودة إلى المدارس، حتى صدر قرار بإقالة الأخير من منصبه وتعيين خلف له، في موقف اعتبره الكثيرون نقطة لصالح الطباع تمكن فيها من تسجيل هدف في مرمى العوا، حتى وإن كان بدون قصد. واللافت في الأمر أن عميد كلية الطب السابق لم يبلغ رسمياً بتعيين عميد جديد بدلاً عنه، وأن خبر التعيين وصل إليه كما وصل إلى العامة حسب تعبيره. ويأتي هذا القرار في الوقت الذي لمع اسم العوا في الآونة الأخيرة في ظل انتشار فيروس كورونا، حيث تمكن من بناء قاعدة جماهيرية له عبر فيديوهات التوعية والوقاية من الفيروس.
وفي العودة إلى تفاصيل السجال الذي دار بين الطرفين، كان قد تسبب اقتراح عميد كلية الطب البشري بتأجيل إعادة طلاب المرحلة الأولى للمدارس لمدة ١٥ يوماً، بإثارة حفيظة وزير التربية السوري ودفعه للتصريح جزافاً، ما دفع الأول للرد، وكالعادة لا يفوت الشارع السوري هذه التصريحات دون تحويلها إلى مادة للتندر لا تخلو من الجدية.
وكان عميد كلية الطب البشري قد وصف عودة المدارس في موعدها المحدد 13/أيلول الجاري لطلاب المرحلة الأولى بـ “المغامرة” ما لم تؤخر، داعياً إلى تأجيلها لمدة أسبوعين آخرين، ريثما يتم الوصول إلى السيطرة الصحيحة على منحنى انتشار فيروس “كورونا”.
وبالرغم من أن الاقتراح الذي قدمه العوا كان “طبياً” بحتاً حسب تعبيره، إلا أنه أغضب الطباع ليرد بالقول: “نحترم عميد كلية الطب البشري وآراءه المطروحة حول تأجيل المدارس، لكنه لم يغلق المشافي ولا الجامعة المشرف عليها”. هذه المقاربة لا تبدو منطقية وغير متكافئة بنظر العوا الذي بدوره رد عبر لقاء إذاعي في شام إف إم بالقول: “الجواب بإغلاق المشافي لا يعادل تأخير المدارس وليس على قدر الاقتراح، وفي حال تم إغلاق المشافي أين سنضع ونعالج المرضى”، موضحاً أن الغرض من الاقتراح المقدم هو: “لمراقبة منحنى الإصابات خلال الـ١٥ يوم باستمراره بالشكل الأفقي لإمكانية عودة الطلاب إلى المدارس دون الخوف، بحيث لا تتعرض جميع العائلات السورية للإصابة ويتصاعد المنحنى”.
الشارع السوري كعادته، ولامتلاكه حساً عالياً بالسخرية والتهكم بدأ بإطلاق سيل من التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فهناك من وصفهم بـ “مثل الرداحة والنواحة، عيب عليهم”، فيما كتب آخر: “ها قد بدأت معركة قصف الجبهات”. لكن ما ساهم بحجم ردود أفعال السوريين وزيادة حدة سخرية التعليقات والاستهزاءات هي الخلفية التي ينحدر منها وزير التربية وهو اختصاص في الطب البيطري، إذ تعلق ناهد مثلاً: “أسلوبه بالرد يدل على مستوى تدني بالثقافة كتخصصه، فهو يتعامل مع التلاميذ كأنهم مجرد حيوانات في حظائر”. فيما تصف رولا رده بـ “المتسرع ولا يليق بوزير”. أما البعض الآخر فقد طالبوا الوزير بالاعتذار الفوري واستدراك خطأه.
لم يكتف الطباع بهذه الردود، بل ذهب إلى أبعد ما يكون عن المنطق، بفضل تصريحه حول إمكانية إصابة التلاميذ الصغار بفيروس كورونا ونقله بدورهم لأفراد العائلة ممن هم من كبار السن، مقدماً الحل العجائبي، بالقول: “يجب على أي فرد بالأسرة طاعن في العمر أن يقول لطفله أو حفيده، ابتعد عني”، ليثير بذلك موجة سخرية جديدة وتعليقات استهزائية كفرح التي كتبت: “بصراحة أفحمتنا بهاد الحل يلي ما كان خاطر ع ذهننا، برأي لازم يستعينوا فيك بوزارة الصحة العالمية لتحل مشاكلن”.
وما زاد الطين بلة تصريح ممثل اليونيسف في دمشق تشارلز نابونغو (أخصائي في مجال التعليم) خلال مؤتمر صحفي، حيث قال: “أن المدارس في سورية هي بيئة آمنة للأطفال ويجب على الأهل الاطمئنان على أطفالهم”. إذ أثار التصريح مزيداً من سخرية الأهالي واستهجانهم في الوقت ذاته، فتقول آية حسن مثلاً: “عليك أولاً زيارة مدارسنا الرسمية، ثم التفوه بهذا الكلام المجافي للواقع، لأنك حتما لم تشاهد الحمامات المتسخة ولا خزانات المياه الصدئة، أنا متأكدة أنك ستغير رأيك”، فيما تعلق بسمة ضاحكة: “قديش دافعيلو لحتى يحكي هالكلام”.
by مازن أكثم سليمان | Sep 15, 2020 | Culture - EN, Poetry - EN, Uncategorized
لن يهزمنا جيشُكِ أيَّتُها العمَّة الغرابة.
…
لا حاجة لي بحافِلةٍ؛
أحملُ المحطّاتِ على ظَهري
وأربطُ القطارَ الأخيرَ
بإصبعِ ريحٍ تتخاصَرُ مع حُلمي.
…
ما أن مررتُ أمامَ الأبوابِ المصقولةِ بالخوف
حتّى اهتزَّتْ أقفالُها كعروشٍ تنهارُ
جناحايَ قلادةُ الغُيومِ
وقلبي وشمُ الأسئلة.
…
القُبَّعةُ فوقَ رأسي خُدعةٌ
ظلُّها هو المعنيُّ بالأمرِ
أنْ يُغطّي سهلاً من الأنسامِ
وتلالاً من العُشبِ الطَّموح.
…
في مُحيطِ كُلِّ أُغنيةٍ جزيرة
تستطيعُ الرُّسوَّ بسلامٍ
لكنَّ خُطايَ التي التحقتْ بالمُوسيقى
لن تكفَّ عنِ البَحث
عن لحنٍ غريب.
…
الحيادُ يُعطِّلُ المشاعرَ
أنا كُلِّيّ في مدىً
ولو كنتُ بعضي
لقتلني المللُ المُزهرُ كسلاسلَ.
…
_ بمَ أُكافئُ الطّائِرَ القادمَ من المجهول..؟!!
… حمَلَ لي علامةَ حُبٍّ
وطمأنني بالاقتراب
وأنَّ قفزاتي القادمة ساحاتُ تجريبٍ أخضر
وأنَّني مهما كنتُ أسيرَ عاصمتي
سأجدُ في النِّداءِ ملاذاً لانزياحٍ خاطف.
…
لفظتانِ هادئتانِ معكِ
قد تكفيانِ لزيارةِ الوردة
ثُمَّ تجاوزها
إلى حيثُ يتعرّى الرّحيقُ
ويكشفُ عن سرِّه.
…
…
المُقامُ يضيقُ
بألوانِ المَجازِ
والأشواقُ تتَّسِعُ
كحقلِ ألغامٍ مُموَّه.
by هيفاء بيطار | Sep 8, 2020 | Cost of War - EN, Uncategorized
ليس وعي الشعب السوري بأهمية الطب النفسي هو ما جعل الكثير من السوريين يراجعون عيادات الأطباء النفسانيين، بل وحشية وقسوة الظروف التي يعيشونها وانسداد الأفق أمامهم جعلهم يبحثون عن قشة أمل يتعلقون بها لأنهم غارقون في آلام نفسية ويأس وخيبات قد تدفع الكثير منهم إلى الانتحار، وبالفعل حوادث الانتحار في سوريا كثيرة لكن لا يُعلن عنها في الإعلام الرسمي. وبما أنني عشت في اللاذقية وعاينت عن كثب أزمات الناس خاصة الجيل الشاب فقد هالني فعلاً الإقبال الشديد على عيادات الطب النفسي عساها تقدم لهؤلاء المعذبين في سوريا نوعاً من الحل أو العزاء.
بداية أحب أن أنوه بتعريف الصحة النفسية في الطب النفسي: لا يجب أن نقول عن إنسان أنه بصحة نفسية جيدة وطبيعية إن لم يخضع لإختبارات في الطب النفسي. وعليه لا يجوز أن نعتبر أنفسنا وغيرنا أصحاء نفسياً إن لم نخضع لإختبارات في الطب النفسي. ولأنني مهتمة جداً بالحالة النفسية للشعب السوري وكوني طبيبة عيون لي أصدقاء أطباء اختصاصيون في الطب النفسي. وكنت أزورهم في عياداتهم وأحياناً يكون لي دور في الإصغاء للآلام النفسية للمرضى.
1-معاينة الطبيب الإختصاصي في الطب النفسي تتراوح بين 4000 ليرة سورية و6000 ليرة سورية، وهو مبلغ كبير جداً بالنسبة لمواطن سوري موظف (معدل الراتب في الدولة السورية 30 دولاراً) أو محدود الدخل وثمة الكثير من معدومي الدخل تقوم الجمعيات الخيرية بمساعدتهم. ومنظرهم وهم محتشدون في قاعة انتظار الطبيب النفساني يُشبه تماماً الاحتشاد على الأفران أو مراكز توزيع المعونات الغذائية، معذبون سوريون طاش صوابهم من القهر والفقر والظلم ورداءة الحياة وموت أولادهم يبحثون عن أي مُسكن لآلام أرواحهم، لا أنسى عبارة قالها لي أب سوري: لولا العار لانتحرت، لكن سيُوصم أولادي كل عمرهم بوصمة انتحار والدهم .
2- لعظيم الأسف فإن معظم الأطباء النفسانيين في اللاذقية (المدينة التي عشت فيها كل عمري) لا يُعطون المريض النفساني حقه، لأن ضغط العمل والمراجعين كبير جداً عليهم، لهذا لا يتجاوز اللقاء بين المريض النفساني والطبيب خمس دقائق، يتخللها قطع الحديث باتصالات هاتفية دائمة للطبيب، ونفاذ صبر الأطباء فما أن يبدأ المريض النفسي بالكلام ومن العبارة الأولى حتى يعلو صوت الطبيب النفساني مُشخصاً حالته: عندك اكتئاب أو شخصيتك اكتئابية أو عندك وسواس قهري أو عندك ميول انتحارية أو فصام في الشخصية الخ! يا للسهولة والخفة وانعدام الوجدان التي تُشخص فيها الأمراض النفسية في سوريا، ولماذا يكون لدينا طب نفسي هام ويحترم المريض وكل ما في حياة السوري رديء؟ وأظن الأطباء النفسانيين يجدون عزاء كبيراً لضميرهم لأنه لا يوجد سوى دواء نفساني واحد وحيد يُعطى لكل حالات الأزمات النفسية، وهو دواء سيئ بإعتراف العديد من الأطباء النفسانيين ومصدره إيران أو الهند، وثمة أدوية أخرى مهدئة تساعد في دعم تأثير الدواء الرئيسي. الحوار معدوم بين الطبيب النفساني والمريض، أي لا يتمكن المريض من الفضفضة بآلام روحه، ويشعر المريض أنه دفع مبلغاً كبيراً على أمل أن يصغي إليه الطبيب النفساني ويخرج من العيادة بخيبة أمل يحمل وصفة طبية مُوحدة لكل المرضى عامة.
3- الكارثة الأشنع هي الانقطاع المفاجئ للأدوية النفسية والمهدئة والمنومة، كذلك انقطاع العديد من الأدوية المهمة الأخرى كأدوية الغدة والقلب والضغط وغيرها، إضافة لارتفاع سعر الأدوية دفعة واحدة في سوريا 300 بالمئة دون أن يزيد الراتب قرشاً!
4- معروف أن الأدوية النفسية حتى ترفع مستوى السيروتونين في الدماغ (والذي يُسمى هورمون السعادة) حيث ينقص هذا الهورمون كثيراً لدى مرضى الإكتئاب وأمراض نفسية أخرى، تحتاج لأشهر من تناولها تترواح في الحد الأدنى ستة أشهر وقد يستمر المريض في تناولها ثلاث سنوات وأكثر. وفي بعض الأمراض النفسية كالفصام يتناول المريض الدواء النفسي مدى الحياة، ويجب أن يتم قطعه بالتدريج على الأقل طوال أسبوعين أو ثلاثة، لكن فجأة انقطعت الأدوية النفسية في سوريا وفي حالة كهذه يُصاب المرضى بنوب من الصرع وقد ينتحر البعض، وحتى الدواء الآمن (الليكزوميل أو الليكزوتان) وهو مضاد قلق مقطوع وبرأيي يجب أن توزعه الدولة السورية مجاناً أو على البطاقة الذكية، لأن كل سوري يحتاج لدواء مضاد للقلق عساه يساعده أو يوهمه أنه يساعده في قلقه الكبير. وأدى الانقطاع المفاجىء للأدوية النفسية في سوريا لحالات انتحار كثيرة خاصة عند الشباب الذين لا يجدون أملاً بالمستقبل وينتظرون فرصة للهجرة إلى بلد أوروبي.
5- استعاض الكثير من السوريين وخاصة الجيل الشاب المُحبط وبعضهم جامعيون (أخبرني العديد منهم أنهم توقفوا عن الدوام في الجامعة لأنهم لا يملكون مالاً لتصوير المحاضرات، لأن سعر الورق ازداد وإجرة التصوير ازدادت)، هؤلاء الشبان يلجؤون إلى المخدرات كحبوب الكابتاغون والحشيش وأنواع أخرى من المخدرات تشوش وعيهم وتخدر آلام روحهم ولو لفترة زمنية معينة، ويتعاملون مع مهربين معروفين في اللاذقية يؤمنون لهؤلاء الشباب اليائسين المخدرات الرخيصة ومن أسوأ الأنواع. وتمت مداهمة مجموعات من الشبان (معظمهم جامعيون) في شاليه على البحر أو في بيت أحدهم من قبل الشرطة، وتم سجنهم لأكثر من ثلاثة أشهر وطبعاً بعد تعرضهم لضرب مبرح، بدل أن يُعالجوا في مراكز لعلاج الإدمان، ولست واثقة أن في سوريا كلها مركزاً مؤهلاً لعلاج الإدمان.
هذا هو واقع الطب النفسي في سوريا، طب نفسي وهمي، دواء سيء ثم مقطوع، نسبة انتحار عالية خاصة لدى الجيل الشاب، إدمان على المخدرات الرديئة للهروب من واقع ليس فيه بصيص أمل، الفقر والذل والجوع والهدر الوجودي بانتظار رغيف خبز مُعجن أو كيس أرز ينغل فيه الدود، إضافة لرداءة التعليم وانقطاع الكهرباء شبه الدائم وشح المياه وتلوثها. كل شيء مأساوي وموجع في سوريا، ومن الطبيعي أن يكون الطب النفسي انعكاساً لهذا الواقع. ولو أردت أن أشبه ممارسة الطب النفسي في اللاذقية (وسوريا كلها)، فهي أشبه بتلك اللقطة من مسرحية حيث يقوم المُوجه في المدرسة بفحص القدرة البصرية لكل طلاب الصف (كلون يعني كلون) في نفس اللحظة أكثر من 40 طالب يجيبون على سؤال الموجه الذي يفحص الطلاب على لوحة القدرة البصرية ليعرف صحة الرؤية عند الطلاب. الطب النفسي في اللاذقية وسوريا مهزلة، لا تحليل نفسي ولا حوار بين المريض والطبيب. ثمة دواء وحيد يرفع المزاج أو هكذا يقولون، سرعان ما انقطع. وأظن انقطاعه ليس مشكلة كبيرة، لأن من يقبض راتباً من 30 دولاراً في الشهر ليعيل أسرته لا يوجد دواء في العالم قادر على رفع مزاجه؛ ومن دفنت شهيداً أو أكثر من فلذات أكبادها سحقها الحزن والقهر ولن يفيدها دواء؛ ومن مات ابنه تحت التعذيب في السجون السورية أو اختفى ولا يعلم عنه أحد شيئاً لن يفيده أي دواء. العبارة الأدق للطب النفسي السوري: فالج لا تعالج.